ها هي الحدود السورية ـ التركية تعود إلى واجهة الأحداث الساخنة لتزيد الأزمة السورية الساخنة أساسًا لتزيدها سخونة، مهددة بتحولها إلى كرات لهب حارقة تهدد المنطقة بأسرها. فقد جاء القصف التركي على أهداف سورية قال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إنها أهداف تم تحديدها بالرادار، ردًّا ـ وفق الرواية التركية ـ على سقوط قذائف مصدرها سوريا على قرية أكجاكالي التركية التي تقع قبالة مركز تل الأبيض الحدودي السوري، ما خلف خمسة قتلى.
وعلى الرغم من تعبير الحكومة السورية عن انزعاجها من هذا التطور المؤسف، مؤكدة أن لها مصلحة حاسمة في المحافظة على علاقات حسن الجوار مع تركيا، ومقدمة أصدق تعازيها، معلنة في الوقت نفسه إجراء تحقيق لمعرفة ملابسات الحادث والجهة التي انطلقت منها القذائف ومن يقف وراء إطلاقها، فإن سيل الإدانات والاستنكار لم يتوقف حتى كتابة هذه السطو.
وما يمكن ملاحظته في هذا الشأن أن القذائف السورية ـ رغم عدم معرفة مطلقيها ـ جاءت عقب قذائف تركية داخل الأراضي السورية مخلفة قتيلًا كرديًّا، إلا أنه لم ينبس أحد ببنت شفة ممن يكيلون الآن الإدانات والاتهامات بحق الحكومة السورية حول الهجوم التركي، ولم يعقد حلف شمال الأطلسي اجتماعًا يبحث فيه هجوم أحد أعضاء الحلف على جارٍ له، ولم تعقد سوريا على مستوى الحكومة أو مجلس الشعب اجتماعًا لبحث سبل الرد، ولم تتجه حكومتها إلى مجلس الشعب لطلب تصريح منه لشن هجوم عسكري داخل تركيا، على العكس تمامًا مما تفتعله الحكومة التركية من تصرفات، فقد طلبت من "الناتو" عقد اجتماع طارئ، وطلبت من البرلمان التركي الضوء الأخضر لتنفيذ عمليات عسكرية داخل سوريا، يترافق كل ذلك مع إدانات واتهامات أميركية وغربية.
لا نخال أن من يتابع تطورات الأزمة السورية بشيء من الموضوعية والعقلانية لا يستطيع أن يربط الأحداث بعضها بعضًا، ولا يمكنه أن يستنتج الكثير من الحقائق والمسببات من داخل بلد بات مرتعًا للآلاف من المجاميع المسلحة من المرتزقة والإرهابيين والتكفيريين والمتمردين.. فالتصعيد التركي جاء بعد حدثين لافتين:
الأول: ما بث عبر وسائل الإعلام أن الرئيس السوري بشار الأسد انتقل إلى مدينة حلب مسرح المواجهة مع المجموعات الإرهابية وبات يشرف على سير العمليات شخصيًّا، واستدعى فرقًا من المغاوير لتطهير المدينة منهم، بعد أن ضج أهاليها من الانتهاكات غير الأخلاقية وغير الإنسانية التي تمارسها تلك المجموعات الإرهابية، مستنجدين بالحكومة السورية لحمايتهم منها، وحسب الأنباء فإن القوات السورية استطاعت أن تطوق المدينة وتتهيأ للانقضاض عليهم، وبما أن سوريا أصبحت مرتعًا لتلك المجموعات الإرهابية وخاصة على الحدود التركية ـ السورية.
حيث خصصت أنقرة لتلك المجموعات أوكارًا لها، فمن غير المستبعد أن يكون من أطلق القذائف هم من هذه المجموعات لتشتيت تركيز الحكومة السورية وقوات حفظ النظام السورية، لفك الحصار عن مدينة حلب وإنقاذ المجموعات المسلحة داخل المدينة، حيث كان لافتًا القصف التركي السريع على الأراضي السورية، مع عدم إغفال أن القذائف التي أطلقت باتجاه تركيا من مركز تل الأبيض الحدودي السوري الذي شهد في الآونة الأخيرة معارك ضارية بين الجيش العربي السوري وتلك المجموعات المسلحة، ما يعني تواجد هذه المجموعات على تلك الحدود.
الثاني: التصعيد التركي جاء بعد مؤتمر حزب العدالة والتنمية الذي تتشكل منه الحكومة التركية الذي شهد بعض التصريحات التي تصب في خانة التوجه التركي نحو إسقاط "النظام السوري"، وبالتالي يبدو أن الحكومة التركية قد رأت في تلك التصريحات دفعة للتحرك نحو التصعيد.
على أي حال، وعلى الرغم من حالة التسخين الجارية، فإننا نأمل أن يجري الاحتكام إلى العقل لمعالجة هذه التطورات وعدم السماح لها بالوصول إلى مستوى يؤدي إلى الإضرار بمصالح البلدين الجارين وشعبيهما، كما نأمل أن تكون الجهود الإيرانية للتهدئة أن تحقق أهدافها، فليس من مصلحة تركيا ولا سوريا الدخول في حرب معروفة نتائجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.