لا يستطيع كل ذي ضمير حي يقظ واعٍ، وكل ذي لب نير أن ينكر معنى الطفولة وما تعنيه تلك الكلمة من مدلولات إنسانية كبرى، ولا يستطيع أن ينكر أن الاهتمام بالطفولة يمثل امتحانًا أعظم للضمير والعقل معًا، ذلك إذا كان يؤمن إيمانًا جازمًا بالقيمة الحقيقية لمعنى الإنسانية لا سيما حين يدرك أن ذلك الإنسان الصغير (الطفل) يكون في مرحلة من العمر تجعله عاجزًا عن المطالبة باستيفاء حاجاته الأساسية، وأن على عالم الكبار أن يسارعوا إلى الوفاء بتلك الحاجات. وفي ظل عالم اليوم الذي نعيش حيث طغيان الأنانية والنزوع نحو الحروب والدمار وسفك الدماء، وضياع للقيم والأخلاق والمبادئ والمثل في جزء منه.

وحيث المنافسة على التعالي في البنيان والترف وإتخام البطون بما لذَّ وطاب، وارتفاع معدلات السمنة والأمراض الناتجة عن هذه العادات الغذائية السيئة في جزء آخر من هذا العالم، وحيث مخالب الفقر والجهل والمرض، ومظاهر القهر والظلم والاستعباد والذل والتهجير واغتصاب الحقوق تنهش أبرياء في جزء آخر من هذا العالم، فإن الطفولة لم تسلم في أجزاء العالم كلها إن بنسب وتفاوتات مختلفة. إلا أن بالمقارنة نجد أن الطفولة في الجزء الذي تقع فيه منطقتنا هي من تدفع ثمنًا باهظًا لسياسات غير سوية خطفت تلك البراءة وذلك الضعف الإنساني الباديين على صفحة وجه الطفل.

وعلى الرغم من تعرض الطفولة إلى أنواع عديدة من نكران الحقوق، وبدل أن تحاط بجميع أشكال الرعاية وبكافة الحقوق الإنسانية من حق التعليم والصحة الجسدية والنفسية، فإنه يقدم لها الموت المجاني بتوظيف أطفال في ميليشيات مسلحة تحت مسميات تخرب العقول والأنفس والقلوب من قبيل "الحرية، والديمقراطية"، فيما أطفال آخرون ـ ونتيجة لهذه السياسات غير السوية والنزعة نحو زعزعة استقرار الدول وإثارة الفتن والحروب وكذلك الجشع والطمع والمغالاة وتفشي الأنانية ـ هجروا مقاعد الدراسة واضطروا إلى القيام بأعمال شاقة لتوفير لقمة عيش مغموسة بالألم لأنفسهم ولأهلهم.


ونحمد الله الذي قيض لنا في عُماننا الحبيبة قيادة حكيمة جعلت إنسان عُمان هدفًا للتنمية ومحورًا لها، وأعلت منزلته وجعلت مصلحته فوق كل اعتبار، وسخرت كل جهودها وكافة الإمكانات لخدمة أبناء هذا الوطن، من تعليم وصحة، فنظرت إلى الطلاب على أنهم الأمل الواعد للوطن غدًا، هم السواعد والعقول التي ستدير عجلة التنمية في مراحلها القادمة، ولدينا ولله الحمد مؤسسات تعليمية تحتضن هذا الأمل المستقبلي وتبث فيه روح الوطنية والولاء للنهضة، وبانيها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ، ولا تلبي للطالب حق التعليم فحسب، وإنما توفر له وسائل الراحة وما يحتاجه من غذاء يعينه على إكمال يومه الدراسي.


على أن هذا الاهتمام بالتعليم وبطلابه من قبل القيادة الحكيمة لم يقتصر على هذا الوطن العزيز وأبنائه، بل امتدت اليد الحانية والعاطفة الجياشة والضمير الحي اليقظ ليشمل أبناء أشقائنا وأبناء إخواننا في الإنسانية في فلسطين ومصر واليمن ودول بالعالم، حيث أشاد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة بالدعم الذي تقدمه السلطنة ضمن 30 دولة من دول العالم لتوفير الوجبات المدرسية لأطفال المدارس المحتاجين في العالم في إطار الحملة التي أطلقت شهر رمضان الماضي لجمع تبرعات لتوفير ما يزيد عن 400 ألف وجبة مدرسية لأطفال المدارس غير القادرين. وستتمكن هذه الحملة من توفير وجبات مدرسية على مدار العام لطلاب غير قادرين في مناطق فقيرة بالشرق الأوسط خاصة في فلسطين ومصر واليمن.


وتبدو أزمة أطفال العالم عامة وأطفال منطقتنا خاصة في ظل ما تشهده من تبديد لثرواتها الهائلة في زعزعة الاستقرار وتغذية الفوضى وإنجاح المساعي الحثيثة لأيادٍ لها مشاريعها وأجنداتها، مرشحة للتفاقم بصورة أكبر وأعمق، لذلك فإن مسؤولية رعاية الطفولة العربية خاصة والطفولة العالمية عامة هي مسؤولية جماعية تستدعي تضافر الجهود على مستوى العالم.