في أول فعالية وطنية تعقدها المعارضة السورية في الداخل، انطلقت في العاصمة دمشق أعمال "المؤتمر الوطني لإنقاذ سوريا" بمشاركة مجموعة من القوى والتيارات السياسية أبرزها هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديمقراطي وشخصيات مستقلة وبحضور عدد من أعضاء السلك الدبلوماسي في دمشق يتقدمهم سفراء روسيا والصين وإيران والجزائر.

وتأتي أهمية هذا المؤتمر من كونه أنه أول تحرك فعلي لمعارضة الداخل للتدخل لحلحلة الوضع ووقف نزيف الدماء السورية، وإسكات أصوات المدافع والرصاص، وإحلال مكانها أصوات المنطق والعقل، فالمؤتمر يعبر عن قناعة منظميه ومريديه وداعميه بأن الحل أولًا سوري ـ سوري، وثانيًا أن الحل الحقيقي للأزمة السورية يولد من رحم الحوار السياسي الوطني البنَّاء؛ أي أن الحل سياسي بحت، وما عداه فلا.

 كما تكمن أهمية المؤتمر أنه يوجه رسالة قوية للخارج الذي يتحكم في المعارضة السورية التي تعيش في كنفه ويتقاسم ولاءها والتي ينشر مسلحوها العنف والرعب والقتل في أرجاء سوريا ويبثون الفوضى. إلى جانب أن المؤتمر من خلال مواقف معارضة الخارج المسلحة، وداعميها الرافضة لمجرد فكرة المؤتمر وليس المؤتمر نفسه، جاء ليكشف حقيقة النيات الصادقة وغير الصادقة، والأطراف التي لها مصلحة في تأزيم الأزمة والعمل على استمرارها وديمومتها وصولًا إلى تحقيق أجندات ومشاريع خاصة على حساب دم الشعب السوري ووحدة سوريا واستقرارها.

وعلى الرغم من انعقاد المؤتمر في العاصمة دمشق وإعلان بنوده محور النقاش والتي من بينها المطالبة برحيل "النظام"، وتشكيك معارضة الخارج في وطنية معارضة الداخل المشاركة في المؤتمر، وأنها تعيش في كنف "النظام" وبالتالي فهي تعمل على خدمته، وأنها لو لم تكن كذلك لاعتقل جميع المشاركين في المؤتمر، فإن هذه الفعالية الوطنية لا توجه صفعة لهذه الأصوات النشاز، ولا تفضح حقيقة ادعاءاتهم ومواقفهم وأهداف تنصيب أنفسهم متحدثين باسم الشعب السوري لا سيما وأنهم يهاجمون من هم في المعركة الحقيقية من عواصم انكشفت أجندات تدخلها فحسب، وإنما تكشف أيضًا حقيقة وهي أن معارضة الخارج مطلوب منها أن تحافظ على الانقسام وتديره حتى لو كان ذلك رغمًا عنها، وبوعي أو دون وعي.

إن هذا التشكيك والعزوف في الوقت عينه يذكرنا بحملة التشكيك ذاتها أثناء التحضيرات لأول انتخابات سورية تعددية وانطلاقها، وكذلك أثناء الاستفتاء على الدستور وتعديله وخاصة المادة الثامنة المتعلقة بحاكمية الحزب الواحد وهو حزب البعث. وللأسف فإن المعارضة السورية المسلحة .

كما هي محلك سر ـ لم ترتقِ إلى مستوى الحدث ولم تلتفت إلى قيمة الدم السوري المراق، ولا إلى تلك الأسر في مخيمات اللجوء التي تنتهك أعراضها بأساليب شتى، ولا إلى أولئك الأطفال رجال الغد وضرورة رجوعهم إلى مقاعد الدراسة، ولا إلى أهمية الحفاظ على أفكارهم وعقولهم ونفسياتهم من آثار القتل والدمار والعيش داخل خيم يملؤها الحر القائظ وتخلو من لقمة غذائية مكتملة العناصر، وللأسف لا يزال هناك من بين هذه المعارضة السورية المسلحة من يتاجر بحقوق هؤلاء الأطفال وتلك الأسر وبحقوق الشعب السوري كله، متخذًا من الفضائيات التي تتبنى مزاعمه وأفكاره بوقًا يصم به الآذان بها وبأكاذيبه، فقد صقلت لسانه تلك الفضائيات ليتكلم في معنى الوطنية والسياسة والمطالبة بالتدخل العسكري.