في الوقت الذي تجتاح فيه العالم الإسلامي مظاهرات واحتجاجات صاخبة، بل ودامية أحيانا، ضد الفيلم الجريمة المسيئ إلى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، وضد الرسوم الكاريكاتورية السخيفة التي نشرتها مجلة « شارلي ابدو الفرنسية «، وفي حين يبحث الكثيرون في العالم الإسلامي، عن وسيلة للرد على تلك الإساءات، واظهار الجوانب المشرقة، والتى أضاءت درب البشرية جمعاء على يدي الرسول الكريم، فإنه ليس مصادفة على أي نحو أن تكون السلطنة، وبحكم ما تقوم به وما تمارسه بشكل طبيعي في علاقاتها وحواراتها الحضارية مع الشعوب الاخرى، في مقدمة الذين يقدمون نماذج هادئة، فعالة ومؤثرة، وعلى اسس علمية رصينة، بعيدا عن العصبية والانفعالات المنفلتة، وعبر مؤسسات تتمتع بالاحترام على كافة المستويات كذلك.

ولان السلطنة وقيادتها الحكيمة تؤمن بعمق بأهمية وضرورة الحوار الحضاري مع الشعوب والحضارات الاخرى، واهمية بذل الجهود الصادقة، والمستمرة ايضا، من اجل تحقيق درجات اعمق من التقارب والتفاهم فيما بينها، مما يساعدها جميعها ، في التعاون والعمل من اجل حياة افضل لها جميعها، فإنها بدأت فى جهودها منذ وقت مبكر، خاصة وانها تتمتع بوعي حضاري عميق، وبادراك لمتطلبات التواصل مع الآخر من ناحية، وطبيعة المرحلة التي نعيش فيها من ناحية ثانية.

ومع الوضع في الاعتبار العديد من الجهود التى تبذل من أجل تحقيق درجة واسعة من التواصل والتعاون عبر المؤسسات العلمية العمانية، وهى عديدة، فإن من أبرز المجالات الأخرى، التى يتوفر فيها للسلطنة باع طويل، ما يتصل بمعرض التسامح الديني العماني، الذي دأبت السلطنة على تنظيمه، حيث ينتقل في العديد من المدن الأوروبية من أجل تقديم صورة حقيقية، وباللغات الأوروبية لشرح وإيضاح تجربة التسامح الديني في السلطنة، باعتبارها نموذجا إسلاميا، والتعريف أيضا بالدين الإسلامي الحنيف، وبالتطور الحضاري العماني، وإسهام السلطنة في الحضارة الانسانية، حتى وقتنا الراهن، وما يتمتع به المجتمع العماني من أمن وأمان واستقرار ينعم به كل من يعيشون على هذه الأرض الطيبة.

 وهو ما يصب في النهاية في الحث على أهمية وضرورة العمل على احترام الأديان والوقوف امام اية محاولات للمساس بها تحت أية ذريعة، خاصة وأن الاديان ترتبط بشدة بحياة وثقافة الشعوب، ومنها بالطبع الشعوب العربية والاسلامية. وقد بدأت في أستونيا في الأيان الاخيرة فعاليات المحطة الثانية والعشرين لمعرض التسامح الديني العماني والتى ستستمر ثلاثة أسابيع ، تنتقل بعدها الى محطة أخرى لتحقيق درجة أفضل من التواصل مع الشعوب الأوروبية.

اما المجال الآخر الذي يضم في داخله نماذج مضيئة، وشديدة الاهمية في بناء جسور وعلاقات طيبة وتفاهم عميق مع الآخر فإنه يتمثل في الانشطة العلمية التى تقوم بها كراسي السلطان قابوس العلمية والتى توجد في العديد من أعرق الجامعات الاوروبية والامريكية والآسيوية والاسترالية، والتي تقوم بجهد علمي فعال ومؤثر في تقديم جوانب من الحضارة الاسلامية والعربية وبناء اسس متينة لعلاقات عربية راسخة مع الشعوب والاوساط العلمية في مناطق العالم المختلفة.

ومما له دلالة عميقة ان جامعة كيمبريدج البريطانية العريقة سوف تحتضن الندوة الثانية لأساتذة كراسي السلطان قابوس العلمية في شهر نوفمبر القادم، وذلك بإشراف وزارة التعليم العالي والتعاون مع جامعة السلطان قابوس، وهو إسهام يتمتع في الواقع بالاحترام والتقدير على كافة الاوساط العلمية والثقافية، ويحتاجه العالم كذلك بشدة