في الوقت الذي لا تزال فيه ردود الأفعال تتواصل على ذلك الفيلم الرخيص الذي يسيء إلى مقام خاتم الأنبياء والمرسلين (عليه الصلاة والسلام)، فإنه لا يخالجنا أدنى شك في أن هذه البضاعة الرخيصة والفاسدة أساسًا، جيء بها لتعرض على أسواق الفضائيات والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات بهدف بذر بذور الخلاف والشقاق، وإثارة نعرات العداء بين الشرق والغرب، لدرجة القطيعة بينهما، مع اليقين بأن هذه التجارة الرخيصة ليست الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة. ولكن ما يؤسف له أن هؤلاء ذوي التجارة الرخيصة قد استطاعوا استثارة نفر غير قليل في العالم الإسلامي ودفعهم إلى ردات فعل غير محسوبة لكي يتم توظيفها في خدمة المشاريع القائمة والأجندات المستقبلية.


وما يلاحظ من هذا التوظيف أن هناك مستفيدًا واحدًا أوحد ولا أحد غيره، بينما يدفع ثمن هذه الفائدة معًا الشرق والغرب، إلا أن ما يندى له الجبين أن من بين من يعملون على إفادة المستفيد الأوحد هم من يمسكون السلطة في الغرب، من خلال تبنيهم لأفكار وثقافات مشوهة ومغلوطة ومتطرفة وعنصرية لآخرين؛ التاريخ يصرخ من شذوذههم وثقافاتهم وأساليبهم ومراوغاتهم ونزوعهم لكره الآخر ونبذه، ومن دسائسهم وخبثهم وحبهم لإشاعة الفتن والحروب، فقد غَدَا التماهي السياسي الغربي مع هؤلاء جالبًا للخراب والدمار ومهددًا للسلم والأمن الدوليين، وللمرء الحذق والكيس أن يحاول استنباط الأغراض المباشرة والخفية لهؤلاء الشاذين في طريقة تفكيرهم وتغلغلهم في دوائر صنع القرار الغربي، وحالة السكر التي تعمي العقول والقلوب والأبصار والبصيرة للساسة الغربيين الذين ارتموا في أحضان أولئك الشاذين الملوِّثين، وللمرء أن يلاحظ حجم التناقض الكبير في مواقف الساسة الغربيين إذا ما حاول أن يضع عدة مقارنات.


فقد برر الساسة الغربيون ذوو العلاقة الإساءة إلى رسول الإسلام محمد (صلى الله عليه وسلم) وتشويه رسالة الإسلام والسلام السمحة بأنها حرية تعبير، وأن القانون يكفلها والدستور كذلك، ولا يمكن مخالفة القانون والدستور أو القفز عليهما، بالمقابل أن من يحاول أن يشكك في ما يسمى بـ"المحرقة" أو "الهولوكست" تُقام الدنيا ولا تُقْعَد عليه، وللوقوف على النفاق الذي وصل حد الثمالة تم استصدار قانون في الأمم المتحدة يجرم كل من ينكر أو يشكك في ما يسمى "المحرقة"، أوليس مجرد إبداء الرأي حولها نوعًا من حرية التعبير؟ وللمرء أن يلاحظ أيضًا أن ردود الفعل المتحضرة (وليس الهمجية التي نرفضها ونحاربها) على الإساءة لرسول الإسلام، والتي تعد أحد أشكال حرية التعبير، مرفوضة غربيًّا جملةً وتفصيلًا، ولكن هذا الغرب تحرك لتدمير دول عربية وإسلامية مستخدمًا شتى الوسائل من آلة عسكرية جبارة وعقوبات اقتصادية وحصار ظالم وسياسية ودبلوماسية منحرفة وإسقاط حكومات تحت ذريعة الدفاع عن الحريات، وحقوق الإنسان والديمقراطية، أفليس رفض الإساءة للمعتقدات أحد جوانب الديمقراطية والحريات؟

وللمرء أن ينتبه إلى أن الذين هاجموا السفارة الأميركية في مدينة بنغازي هم ذاتهم الذين زودتهم الولايات المتحدة وحلفائها بالسلاح والمال والآليات وسيارات الدفع الرباعي، وهم ذاتهم الذين رفعوا علم القاعدة على آلياتهم وسياراتهم. فالملاحظ في طريقة التوصيف الغربي أن قتل السفير الأميركي إرهاب ومن قاموا به إرهابيون، أما إسقاطهم حكومة بلادهم وقتل زعيمهم فحرية وديمقراطية. وللمرء أن يلاحظ كذلك، أن الدفاع عن الأرض والعرض والكرامة ومقاومة الاحتلال هو إرهاب ـ حسب التوصيف الغربي ـ ويجب أن يدرج هؤلاء المدافعون في قائمة "الإرهاب" السوداء، أما ما يقوم به المحتلون والمعتدون ضد الأرض العربية والكرامة والعرض والشرف فهو دفاع عن النفس. كما لا يفوت التذكير أن الدساتير الغربية التي يرفعها الساسة الغربيون في وجوهنا لتبرير التصرفات الهمجية والحمقاء والإساءات البذيئة بحقنا وبحق ديننا ورسولنا الكريم، لم تنص على احتلال دولنا واستعمارها وسرقة ثرواتها وتدمير شعوبها وبث الفرقة بينها، وحل جيوشها وإضعافها.

أليست هذه المواقف الازدواجية في السياسة الغربية مثيرة للتقزز وتعكس حقا عقليات متشربة بالعنصرية ضد كل ماهو غير غربي وخاصة ضد العرب والمسلمين، الذين بالرغم من ذلك يمدون يد الصداقة والود لهذا الغرب ولغيره انطلاقا من ثقافة قبول الآخر والتعايش معه، كما تنص عليه شرائع الديانات السماوية وليس دينهم الاسلامي وحده والتي يؤمنون بها ايمانا راسخا يجعلهم يستميتون في الدفاع عنها في وجه مثل هذه السياسات والتوجهات غير المتحضرة، لأولئك الناعقين بقيم هي منهم براء.