في الوقت الذي تعيش فيه المنطقة والدول الاسلامية بوجه عام الآثار التي ترتبت على الفيلم الجريمة الذي يسيئ الى الرسول الكريم والى مشاعر المسلمين كافة، ومن بينها الاعتداءات المرفوضة التي استهدفت عددا من البعثات الدبلوماسية الغربية، وهي بعثات ومقار تتمتع بحق الضيافة والأمان في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، سواء وفق الاتفاقيات الدولية التي تنظم العلاقات الدبلوماسية وحماية البعثات الدبلوماسية، او وفق مقتضيات وحماية الضيوف الذين يتمتعون بحق تأمين حياتهم وممتلكاتهم، فانه مع تفهم مشاعر الغضب والرفض للفيلم الجريمة ، فان التعبير عن ذلك ينبغي ان يظل في اطاره السلمي البعيد عن تهديد حياة الآخرين او ممتلكاتهم، خاصة وان ذلك لن يؤدي سوى الى الدفع بالعلاقات مع الدول التي يتم استهداف سفاراتها او مواطنيها الى مزيد من التعقيد الذي لن يخدم اية قضية، ولن يعزز اي اعتراض ضد الجريمة التي حدثت.
وفي خضم موجات هذا الغضب الفياض، فانه من الأهمية بمكان ان تكون هناك قدرة على التفكير الهادئ، والرؤية الصافية التي يمكنها تجاوز سحب الغبار التي اثارها الفيلم المقزز والمسيئ، والذي يسيئ بالضرورة الى كل من وقف ويقف وراءه بأي شكل من الأشكال قبل ان يسيئ الى الرسول الكريم او الى الدين الاسلامي الحنيف.
وفي هذا الاطار فان الخطوة الاولى ينبغي ان تتركز على فهم الاطار الذي تم فيه ارتكاب تلك الجريمة، التي سبقتها جرائم مماثلة، والتي قد تتبعها جرائم اخرى ممن يريدون اثارة مشاعر المسلمين ودفعهم الى ارتكاب اعمال يتم استغلالها للترويج على الافكار المغلوطة والمشوهة التي يريدون الصاقها بالاسلام والمسلمين ايضا .
ولأن الأمر لن ينتهي تماما، ولا سريعا، بحكم طبيعة المجتمعات الغربية، فان الرد على تلك الجريمة يمكن ان يتخذ مسارات مختلفة، غير موجات الغضب المنفلتة، او غبار الانفعالات المتصاعدة.
ولذا كانت مقاضاة منتجي الفيلم ومخرجه والمسؤولين عنه خطوة حكيمة اتخذتها اكثر من دولة عربية، كما ان طرح مبدأ احترام الاديان والرموز الدينية وتحريم الدول والهيئات الدولية المساس بها، ينبغي ان يكون موضع اهتمام اكبر من جانب الدول والمنظمات العربية والاسلامية على المستوى الدولي، هذا الى جانب الجهود الثقافية والاعلامية الرفيعة، وبعيدا عن الدعايات الفجة او المباشرة للتعريف بالدين الاسلامي الحنيف، وبالقيم التي يقوم عليها، ليس كرد فعل على جريمة الفيلم المسيئ، ولكن كأسوب علمي وهادئ في مخاطبة المجتمعات الاخرى وفق عقلياتها، وأسلوب تفكيرها.
وفي هذا المجال فانه مما يبعث على الاعتزاز بالفعل ان السلطنة قامت، وتقوم على مدى الفترة الاخيرة ، بدور هادئ وعملي وبناء في التعريف بمناخ التسامح الديني الذي تتمتع به، والذي يشكل تطبيقا لتعاليم الدين الاسلامي الحنيف، بعيدا عن المبالغة والاساليب الدعائية، وذلك من خلال معرض «التسامح الديني في عمان» الذي يجوب العديد من المدن الاوروبية، والذي بدأت فعالياته هذا الاسبوع في العاصمة البلجيكية بروكسل.
فهذا المعرض وما يصاحبه من فعاليات مصممة ومختارة بشكل علمي واع حقق ويحقق النجاح في العديد من المدن التي زارها، حيث يتسلل الى نفوس الزائرين وعقولهم على نحو يؤثر فيهم، بعيدا عن الصخب والضجيج الذي لايتيح الفرصة لا للتعبير عن موقف ايجابي، ولا للآخر ليستمع