في الوقت الذي تمر فيه المنطقة العربية بمرحلة بالغة الصعوبة، وصلت إلى حد التشويش واختلاط الأوراق، وصعود تيارات وقوى وذبول أخرى، ومحاولات ثالثة لاستعادة وجودها بعد ما تعرضت له من ضربات خلال الأعوام الأخيرة، ولو كان ذلك من خلال الإرهاب، جاء الفيلم المسيء إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام ليضيف مزيدا من الاشتعال للموقف في المنطقة، أو بالأحرى ليصنع فخا، تدرك القوى التي تقف وراءه ان الكثير من المسلمين سيقعون فيه بشكل او بآخر. وذلك تحديدا هو من اهم الأهداف، حتى الآن على الأقل.
ولعله من الأهمية بمكان الإشارة إلى ان هذا الفيلم الجريمة، والمقزّز على حد وصف وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون ذاتها، ليس وليد الآن، ولكنه عرض قبل عام تقريبا ولم يحضر عرضه سوى بضعة أشخاص، ثم طرح في ذكرى 11 سبتمبر، التي حلت قبل أيام، من اجل محاولة استثمار الواقع العربي الراهن، وإعادة الربط بشكل مباشر مرة أخرى بين الإسلام والتوجهات الإرهابية، خاصة بعد ان نجحت بعض الجهود العربية والإسلامية في درء هذه التهمة عن الإسلام كدين سلام وسماحة ووئام للبشرية جمعاء، وذلك من خلال التحرك في أوساط عديدة، وعلى مستويات مختلفة على مدى الفترة الماضية.
ومع الإدانة الشديدة لهذا الفيلم المسيء، وللقائمين عليه والممولين له، وليس من بينهم عربي واحد، كما أشارت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، ومع إدانة كل ما يمس الأنبياء والرموز الدينية بوجه عام، بالنسبة لكل الشعوب، فإن طرح الفيلم، والفخ الذي صنعه، نجح في الواقع في استدراج كثيرين للوقوع فيه، وذلك من خلال أعمال العنف المرفوضة والاعتداءات المدانة التي جرت على مقار البعثات الأمريكية في اكثر من دولة عربية، بأشكال مختلفة، وما صاحب ذلك من ضحايا فقدوا أرواحهم، وجرحى أصيبوا بالمئات، مع ما يصاحب ذلك من نتائج وانعكاسات سياسية ودبلوماسية في العلاقات بين الدول العربية التي جرت فيها ردود الفعل تلك وبين الولايات المتحدة الأمريكية التي استهدفت بعثاتها موجات الغضب المنفلتة. وليس من المبالغة في شيء القول إن ما تشهده بعض الدول العربية من أعمال عنف هو ما أراده ممولو ومنتجو الفيلم، وذلك من اجل تصدير ونقل صورة مشوهة للعرب والمسلمين واستمرار الربط التعسفي بينهم وبين الإرهاب بشكل أو بآخر.
ومع الوضع في الاعتبار أن البعثات الدبلوماسية للدول الأخرى، ومقارها تتمتع بالحماية بموجب القانون الدولي، ومن ثم فإن الاعتداء عليها او المساس بها يضع الدولة المضيفة لها في حرج شديد ومسؤولية مباشرة، فان الأجدى هو التعبير السلمي والمسؤول عن الغضب والاحتجاج، دون الوقوع في الفخ الذي صنعه المتربصون الذين يريدون تعكير العلاقات الأمريكية مع العرب او بعضهم على الاقل، ومن المؤكد ان ذلك كان سيحبط من يقفون وراء الفيلم الجريمة، لأنهم كانوا سيدركون انهم لن يستطيعوا استدراك المسلمين بمثل هذه الأعمال المسفّة التي لا تستطيع، ولن تستطيع تحت أي ظرف الإساءة إلى اعظم الخلق أجمعين