هل الضفة الغربية على خطى قطاع غزة لتكون ثاني سجن للاحتلال الإسرائيلي يحاصر فيه أهل الضفة ويُجوَّعون وتسلب منهم الحقوق مثلما هو حاصل في القطاع؟
تطورات الأحداث التي تشهدها الضفة الغربية تشي بأنها تتجه إلى مصير مماثل لمصير غزة، فالأوضاع الاقتصادية في الضفة بدأت تتدهور بصورة لافتة، الأمر الذي أدى إلى اندلاع احتجاجات شعبية واسعة بين أوساط الفلسطينيين في الضفة على غلاء المعيشة، محملين السلطة ورئيس الوزراء سلام فياض مسؤولية هذا التدهور.
في المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمس في رام الله، أرجع سبب التردي المعيشي والاقتصادي الذي يعيشه أهل الضفة إلى الاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته العدوانية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني، حيث تقف سياسات الاحتلال التعسفية حائلًا دون استغلال الفلسطينيين في الضفة ما نسبته ستون في المئة من الأراضي الفلسطينية.
طبعًا لا أحد يخالف ما ذهب إليه الرئيس عباس من أن الاحتلال الإسرائيلي هو سبب في تفجير أوضاع معيشية مأساوية ضد فلسطينيي الضفة مُلْحقًا بهم بأشقائهم في قطاع غزة، إلا أن هذا لا يعفي القيادات الفلسطينية من المسؤولية، سواء من حيث سياسات السلطة الوطنية الفلسطينية وطريقة تعاملها مع كيان الاحتلال الإسرائيلي وإدارتها للقضية الفلسطينية، أو من حيث قيادات الفصائل الفلسطينية، ونعني بها على الأخص قيادات أكبر فصيلين فلسطينيين هما حركتا فتح وحماس، وقدرتهما غير المعهودة في إدارة الانقسام الفلسطيني.
صحيح أن هذا التطور الحاصل في الضفة الغربية وقيام الاحتلال الإسرائيلي بالتضييق على أهالي الضفة الغربية الفلسطينيين في معيشتهم وأرزاقهم، ومصادرة أملاكهم وحيازاتهم الزراعية واقتلاع أشجارهم وحرمانهم من جني محاصيلهم، وتجريف الاحتلال ـ تحت مزاعم واهية ـ الأراضي الفلسطينية التي قاموا باستصلاحها خوفًا من تصحرها، يرجع إلى التصميم الفلسطيني على الذهاب إلى الأمم المتحدة لطلب نيل العضوية في المنظمة الدولية، فيحاول الاحتلال الإسرائيلي ممارسة ضغوط على السلطة الفلسطينية لإثنائها عن التوجه عن هذا المطلب الفلسطيني المشروع، غير أن هذه الممارسات الاحتلالية العدوانية هناك ما يعطيها المجال لذلك بدءًا بتوقيع السلطة على اتفاقية باريس التي تربط الاقتصاد الفلسطيني باقتصاد الاحتلال الإسرائيلي وما يتفرع عنها مثل الاتفاقية الجمركية الموحدة، ومرورًا بالتنسيق الأمني وتحوُّل الأمن الفلسطيني إلى عين ساهرة على أمن قطعان المستوطنين والتنسيق لاعتقال عناصر من أتباع حركات المقاومة الفلسطينية وملاحقتها، وانتهاءً بخيار "فاوض، ثم فاوض، فاوض حتى الموت"، واعتبار وسائل المقاومة السلمية المشروعة محرمة. لقد لوَّح عباس بأن لديه الإرادة لاتخاذ أي قرار سياسي يتعلق بأي أمر من إلغاء اتفاقية باريس وغيرها، مؤكدًا: "ولسنا أسرى لشيء"، وإذا كان عاقدًا العزم على المضي نحو ذلك فليتبعها بخطوة التخلي عن التنسيق الأمني، والتخلي عن خيار "التفاوض" باعتبار ذلك أوراق ضغط، وليقدم من جانبه على خطوة كبرى لإنهاء الانقسام وحل الملفات العالقة مع حركة حماس من منطلق المصلحة الوطنية، وعلى حماس أيضًا أن تكون شريكًا وطنيًّا حقيقيًّا في هذا الجانب، وتخلي كليهما (فتح وحماس) عن إدارة الانقسام، خاصة وأن الموقف الدولي والوضع العربي قد بانت سوءاتهما، فهما غير مشجعين على التعويل عليهما في حل أي قضية، هذه هي الحقيقة، بل يمكن التعويل عليهما في تعقيد أي قضية.