لم تسلم المساجد ودور العبادة الإسلامية والمسيحية من الهجمة الصهيونية العنصرية البغيضة الشرسة، فهي تأتي ضمن إطار ـ إن لم تتقدم ـ المسلسل الاحتلالي الصهيوني الماضي في التهام الأرض الفلسطينية ببشرها وأشجارها وأحجارها، حيث تتراوح عمليات التدنيس والاستهداف للأماكن المقدسة والعبادة بين الإسلامية والمسيحية بطريقة ممنهجة لا تؤكد الطابع العنصري الذي يميز كيان الاحتلال الإسرائيلي وقادته وقطعان مستوطنيه فحسب، وإنما هي في سياق اقتلاع ذوي الحق الأصليين وفي إطار التهويد القاضي بتغيير كل المعالم العربية والإسلامية والمسيحية، وتبرهن الحقائق المؤكدة بأن لا أدلة أو براهين تشير إلى ما يزعمه المحتلون الإسرائيليون في فلسطين التاريخية خاصة في مدينة القدس المحتلة، فالهجمة العنصرية الصهيونية ضد رموز ديانتين شقيقتين للديانة اليهودية تعبر عن مدى الحقد والكره اللذين تتميز به قلوب الصهاينة ورفضهم الاعتراف بالآخر، فقد كان لافتًا قيام قطعان من المستوطنين بحرق باب دير في منطقة اللطرون غرب القدس صباح أمس، وقد كتبوا شعارات معادية للديانة المسيحية على الجدران وتمس أيضًا المسيح عليه السلام.
الأمر الذي يؤكد أن الجريمة ليست عفوية قام بها شبان مراهقون ـ كما يدعي قادة الاحتلال حين يبررون جرائم قطعان المستوطنين ـ بل هي ضمن عملية ممنهجة ومنسقة في إطار سياسة تهويد مدينة القدس المحتلة التي يزعم المحتلون الإسرائيليون أنها العاصمة الأبدية الموحدة لكيانهم المحتل الغاصب. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا:
ماذا لو كان العكس؛ أي قيام مراهقين مسلمين أو مسيحيين بإحراق كنيس يهودي؟ طبعًا، سوف يقيم قادة الاحتلال الصهيوني الدنيا ولن يقعدوها، وسيتوجهون إلى الأمم المتحدة لإدانة الاعتداء واعتباره معاديًا للسامية وغيرها من الأوصاف وردات الفعل.
لكن في مقابل هذه الجريمة الممنهجة ضد المقدسات الإسلامية والمسيحية أين رد الفعل الإسلامي والمسيحي؟ إنه مختفٍ حيث يطبق على الجميع الصمت، لدرجة يخيل إلى المرء أن لا وجود لمسلم أو مسيحي في هذا الكون الفسيح باستثناء مطالبات خجولة من قبل البعض بإجراء تحقيق، معروفة نتائجه فيما لو تم، ومعروفة أيضًا ردات فعل المطالبين به.
إن استباحة الاحتلال الإسرائيلي للأماكن المقدسة ثمة ما يشجعه عليها ألا وهو سياسة النفاق التي يتبعها الساسة المحسوبون على الديانة المسيحية، وحالة الخذلان والخنوع التي تميز الموقف الإسلامي، فكيان الاحتلال الإسرائيلي وهو يرى في ما يزجيه الساسة الغربيون وبعض الساسة العرب والمسلمين من تملق ورغبة في كسب رضاه والتزلف له، مشجعًا له على التمادي في انتهاك المقدسات والمضي في سرقة الحق الفلسطيني، حتى لو أتى على أماكن ومقدسات مسيحية وإسلامية ومعالم عربية.
كما أن هذه الاستباحة هي نتيجة طبيعية وثمرة من ثمار ما يتم غرسه في قطعان المستوطنين في المدارس الإسرائيلية من كره وحقد وعنصرية واحتقار ضد العرب والمسلمين والمسيحيين.
إن عنصرية الاحتلال الإسرائيلي وإصراره على سرقة الحقوق أمر واضح في تصرفات قطعان المستوطنين وموقف حكومتهم اليمينية المتطرفة التي تشجعهم على هذه الثقافة العنصرية الكريهة، فهل من يتغذى ويتنفس العنصرية والحقد والكره من الممكن أن يصنع سلامًا واستقرارًا؟