بعون من الله وتوفيقه انطلقت أمس الجهود الوطنية لوضع التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ حول الخطة الوطنية لاستيعاب الباحثين عن عمل في القطاعين العام والخاص موضع التنفيذ وبلورة الإجراءات اللازمة، لوضع قاعدة بيانات واضحة وسليمة يمكن البناء عليها، حيث كان لافتًا اللقاء الذي عقد أمس بين الهيئة العامة لسجل القوى العاملة ووزارة الداخلية بمقر الوزارة ممثلًا برئيس مجلس إدارة الهيئة والرئيس التنفيذي للهيئة وأصحاب السعادة المحافظين والولاة وذلك لمناقشة التحضيرات اللازمة لبدء تنفيذ مشروع حصر الباحثين عن عمل والذي من المؤمل له أن ينطلق يوم الرابع والعشرين من شهر سبتمبر الجاري، وكذلك مناقشة مهام اللجان المؤقتة التي سيرأسها أصحاب السعادة الولاة وممثلو الولاية من أعضاء مجلس الشورى بالإضافة إلى ممثلين لكل أطياف المجتمع في كل ولاية، وآلية استقبال المراجعين وتسجيلهم في مراكز التسجيل التي سيتم الإعلان عن مواقعها في وقت لاحق، واستمارة التسجيل والإجراءات المتبعة للتنفيذ.

وما من شك في أن نجاح هذه اللجان المؤقتة في الاضطلاع بدورها على أكمل وجه برصد الباحثين ممن لا يعملون في القطاع الخاص أو ممن لا يملكون مشروعًا ذاتيًّا مناسبًا أو من ليس لديهم مهن أو حرف معينة أو ممن ليسوا طلبة على مقاعد الدراسة أو متفرغين لكسب العلم، سوف يتيح إنشاء قاعدة بيانات تقوم مفرداتها على أرقام دقيقة وصحيحة تمكِّن المخططين من وضع خطط وطنية شاملة ذات أهداف ومؤشرات واضحة يمكن تحقيقها، وتمكِّن صانع القرار من البناء على تلك الأرقام في رسم الخطط الحالية والمستقبلية.

 كما أن المصداقية والشفافية التي سيبديها الباحثون عن عمل ستعزز قوة تلك الأرقام المرصودة وتجعل من قاعدة البيانات ذات موثوقية، حيث كان واضحًا عدم دقة البيانات المدونة عن أعداد الباحثين عن عمل لدينا، فليس هناك رقم مستقر وصادق يعكس واقع الباحثين بصورة صادقة في البلاد، وذلك ربما ناتج عن حالة عدم استقرار ممن أخذوا فرصهم في وظائفهم، وترك العديد ممن هم على مقاعد الدراسة دراستهم ليسجلوا أنفسهم كباحثين عن عمل ليحظوا بالإعانة الشهرية وهي مئة وخمسون ريالًا عمانيًّا، وكذلك ممن تركوا أعمالهم الحرة، ولذلك فإن من الواجب الوطني التحلي بالشفافية والصراحة والوضوح، بحيث لا تقتصر عملية التسجيل إلا ممن هم فعلًا لم يأخذوا فرصة عمل بعد، لأن من شأن ذلك أن يساعد في توفير فرص العمل للمخرجات ولمن هم لا يزالون على مقاعد الدراسة، ويمكِّن من استيعاب جميع الباحثين عن عمل الذي سيترتب عليه تحقيق المساواة والعدالة وبالتالي الاستقرار المعيشي والاجتماعي، فالباحث عن عمل بتحليه بالمصداقية والصراحة إنما هو يقدم دورًا وطنيًّا يبدأ بالمساهمة في خدمة وطنه منذ تسجيله وحتى حصوله على فرصة عمل.

إن هذا الاهتمام الكبير بالمواطن بتوفير فرص عمل وحياة كريمة تعكس فهمًا موضوعيًّا لمعنى حقوق الإنسان، والقيمة الكبرى لهذه الحقوق لدى القيادة الحكيمة في بلادنا، وتؤكد حرص هذه القيادة على إشباع الحاجات الأساسية المادية والروحية للمواطن وإتاحة فرص العيش الكريم وتوفير فرص العمل له ليعتمد على نفسه في استقراره وخدمة وطنه ورعاية أسرته، كل ذلك يمثل رسالة جليلة وشاقة في نفس الوقت، تتجاوز كثيرًا مراحل التعليم النظري والتدريب العملي، وهذا في مغزاه ومعناه يؤكد الحقيقة الكبرى التي جاءت من أجلها النهضة المباركة وهي أن الإنسان العماني هو هدف التنمية وغايتها.