ليس من المبالغة في شيء القول بأن اجتماعات القمة السادسة عشرة لدول حركة عدم الانحياز التي اختتمت امس في العاصمة الإيرانية طهران تتسم بالكثير من الأهمية، ليس فقط لأنها وفرت فرصة لاجتماع نحو 120 دولة عضو في حركة عدم الانحياز التي انطلقت قبل اكثر من نصف قرن، ولكن أيضا لأنها عقدت في العاصمة الإيرانية، وفي الظروف الدقيقة التي تمر بها المنطقة الآن والعالم من حولها، والتي تعلي في الواقع من أهمية وضرورة الحوار بين مختلف القوى والأطراف الإقليمية والدولية من أجل تعزيز فرص التقارب والتفاهم بين الشعوب على كافة المستويات . وإذا كان الحضور القوي والملموس لعدد غير قليل من قادة وكبار المسؤولين في دول حركة عدم الانحياز، يشير بوضوح إلى اهتمام واسع النطاق من جانب الدول الأعضاء في الحركة بالعمل على تفعيل دور الحركة وزيادة إسهامها ومشاركتها في الشؤون الدولية، فان هذا التجمع الكبير من مسؤولي الدول المختلفة يوفر في الواقع فرصا عديدة لتبادل وجهات النظر بين الكثير من الدول والأطراف، سواء بشكل ثنائي أو متعدد الأطراف، لمناقشة القضايا المطروحة على جدول الأعمال، أو لتناول قضايا وأمور ثنائية، وهو ما ظهر بشكل كبير في الاتصالات التي جرت على هامش القمة بين القيادة الإيرانية والكثير من قادة وممثلي الدول المشاركة في القمة، وكذلك بين وفود الدول المشاركة، خليجية وعربية وغيرها، وهو ما يمنح الجميع فرصا أخرى لتحقيق مزيد من التفاهم وتبادل وجهات النظر، وتناول العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك.
من جانب آخر فانه في الوقت الذي حرصت فيه الجمهورية الإسلامية الإيرانية على توفير كل أسباب نجاح القمة، خاصة وأن الرئيس محمود احمدي نجاد قد تسلم رئاسة حركة عدم الانحياز من نظيره المصري الدكتور محمد مرسي، حيث تترأس طهران حركة عدم الانحياز للسنوات الثلاث القادمة، فان البيان الختامي للقمة قد عبر عن توجهات حركة عدم الانحياز بوجه عام، وعن حرص دولها على إعادة إنعاش الحركة، واستثمار الأوضاع الراهنة للقيام بدور إيجابي يفيد العالم ويسهم في تحقيق مزيد من فرص السلام والاستقرار والحوار الحضاري في المنطقة، وعلى امتداد العالم لاحتواء التوترات والصدامات المتعددة والمتصاعدة في مناطق مختلفة من العالم . وكانت إشارة معالي يوسف بن علوي بن عبد الله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية بالغة الدلالة بشأن الدور الذي يمكن لحركة عدم الانحياز القيام به في تقريب وجهات النظر وصولا إلى تفاهمات لحل العديد من المشكلات المعقدة.
ومع الوضع في الاعتبار الكثير من المواقف التي تم طرحها خلال القمة، وما تضمنه البيان الختامي لها، وما جاء أيضا في وثيقة طهران، الصادرين عن القمة، فإن ما أشار اليه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية في خطابه أمام القمة وتأكيده على أن بلاده « لا تسعى أبدا للتسلح النووي» يعد تأكيدا آخر على موقف طهران بالنسبة لبرنامجها النووي، ولعل ذلك يشكل مدخلا لبناء مزيد من الثقة بينها وبين الدول الكبرى الست والوكالة الدولية للطاقة النووية، حتى يمكن نزع فتيل الخلاف حول هذا البرنامج والسير نحو مزيد من الاستقرار الذي تحتاجه كل دول وشعوب المنطقة.