لم يسلم النظام الدولي المعاصر منذ نشأته من لعبة المحاور والاستقطابات الدولية، وبحكم الأمر الواقع كان ذلك ـ ولا يزال ـ مرتهنًا بالمصالح الاستراتيجية وتقسيمات مناطق النفوذ والتي تصب في الغالب لصالح الكبار وأرباب القوة الناعمة والخشنة المتوحشة، ووسط مناوراتهم ومؤامراتهم وصفقاتهم وصراعاتهم تطحن مصائر الأمم والشعوب من أعضاء نادي المستضعفين في الأرض، أو تتحول إلى وقود لقاطرة هذا الاشتباك ومرمى لصراعاته وأطماعه.


كان منطقيًّا إذن أن تولد حركة دول عدم الانحياز من رحم معاناة المقهورين في أتون هذا الصراع النوعي وفي فترة تاريخية مهمة، نفضت خلالها غبار اليأس ونهضت لتستعيد كرامتها وعزتها وتحررها الوطني وتعيد تعريف أمنها القومي، بما ينأى بدول الحركة عن الانجرار إلى سوق الرق الجديد ويضعها كرقم صعب على خارطة العالم فيما بعد الحرب العالمية الثانية بوصفها ثاني أكبر تجمع دولي بعد الأمم المتحدة بالنظر إلى عدد الدول الأعضاء، والكم الكاسح والكيف المبهر لقدراتها المادية والبشرية.


ووفق هذه الفلسفة كانت النجاحات التي حققتها حركة دول عدم الانحياز خلال القرن العشرين، وانطلقت من خلالها لتؤسس توازنًا مشهودًا في عالم لا يعترف بالكيانات القزمية، وما أن حاد أقطاب تلك المنظمة عن فلسفتها ومنهاجها، سواء بالانحياز للقطب الأميركي أو بالتقسيم والتفتيت، حتى خفت دور الحركة العريقة وأصاب الوهن أداءها وصارت تاريخًا لما كان بالأمس إعجازًا.


وفي الوقت الذي تتطلع فيه شعوب منطقتنا ودول العالم الحر إلى التخلص من تبعات الأحادية القطبية والمآسي التي نشأت عنها والتي لا تزال شعوب في مقدمتها الشعب الفلسطيني تكتوي بنارها وتدفع ثمنها باهظًا بسبب الانحياز الأعمى والتأييد غير المسبوق من القطب الأوحد لحليفه كيان الاحتلال الإسرائيلي فإن قيام حركة دول عدم الانحياز في طهران والتي تختتم أعمال قمتها اليوم ببلورة مواقف داعمة ومناصرة لقضايا الشعوب المتطلعة إلى الحرية والاستقرار والتنمية واستعادة حقوقها لهو تحدٍّ كبير لقدرة دول عدم الانحياز في تحقيق آمال تلك الشعوب ولو في حدها الأدنى، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن انعقاد القمة هذا قد يكون فرصة أخيرة لمراجعة موقف الدول الأعضاء من عالم يستبيح دم شعوبها، ويضع مصائر مواطنيها على عجلة المقامرات بثمن بخس تحت شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي نفسها الديمقراطية التي يفتقدها النظام العالمي وتكتوي بنيرانها وتصطلي بويلاتها تلك الشعوب.


لا يصح إذن أن يتحول منبر تلك الحركة الرائدة إلى منصة لقصف قيم العدالة والإنصاف، ومن غير الجائز أن تعلو فيها أصوات تخرج عن سياق المبادئ التي قامت عليها الحركة وهو الحياد الإيجابي الذي يعني أن الدول تقاوم منفردة أو مجتمعة أي عدوان عليها أو على عضو من أعضائها، بدلًا من البحث عن آليات غير تقليدية لمواجهة خنجر داهم يهدد الشرق الأوسط ـ القلب النابض لعدم الانحياز ـ بالتشظي والانهيار بالفوضى الخلاقة وجسور الجثث لتعبر عليها دبابات المحتل وجحافل جنوده.