تتقدم الأمم والأوطان بقدر إعلائها لقيمة بناء الإنسان المعاصر وتعميق وعيه واستنهاض طاقات التنوير في نفسه، ويتبلور هذا الوعي وينمو ويصبح واقعًا ونتيجة حتمية للجهود المبذولة في تقديم الغذاء المعرفي والروحي اللازم للعقل والفكر، حينما تولي اهتمامًا بخلق بيئة ثقافية مواتية لحركة التحديث والتقدم والعصرنة، وما من شك في أن الخطوة الأولى على هذا الدرب هي الاهتمام بتشييد بيوت العلم والمعرفة وصروح التنوير الثقافي والحضاري، بحيث تحتضن ألوان المعرفة والفكر الإنساني وتصبح قبلة للدارسين والباحثين، وتتحول مع مرور الزمان وحركة عجلة التاريخ إلى وقود في قاطرة البحث العلمي والإبداع الثقافي، لتضع أوطاننا على الطريق الصحيح.
ولا مراء في أن افتتاح "مكتبة حصن الشموخ" اليوم بولاية منح بمحافظة الداخلية والذي يجيء تنفيذًا للأوامر السامية الكريمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ يؤكد الحرص السامي لجلالته ـ أيده الله ـ على نشر بساط المعرفة ومد جسور الثقافة للباحثين والدارسين على أرض السلطنة، ويعد إحدى الترجمات الحقيقية العملية المباشرة لمدى التقدير الكبير لقيمة الإنسان وفكره وفاعليته ـ إذا ما لقي العناية والاهتمام الكافيين ـ في إقامة أركان حياة آمنة ومستقرة، ورفدها بمختلف الوسائل والفنون والأدوات التي تُعين البشر على تحقيق حكمة خلقهم، والاستفادة من نواميس الكون بسمائه وأرضه وبحاره وحيواناته ونباتاته وجماداته، والوقوف على ما تكتنزه الطبيعة من أسرار لا تدعو إلى الإذعان للخالق فحسب، وإنما يبقى الإنسان بحواسه وأعضائه وأفكاره مسخرًا نفسه لخدمة الحياة البشرية بما يُعينها على البقاء والاستمرار والتطور. كما أن هذه المكتبة تبرز الوعي بأهمية الثقافة والمعرفة كأداة حيوية وناعمة لمواجهة عصر الانفجار المعرفي والثقافي وما يفرضه من تحديات، لذلك لم يكن غريبًا أن يأتي تأسيس المكتبة في حرم حصن الشموخ وتحت بصر العناية السامية من لدن القيادة الحكيمة الواعية المستنيرة، والتي لا تألو جهدًا لإهداء العمانيين كل ما من شأنه ربطهم بعصر لا يعترف إلا بالأقوياء علمًا وثقافةً ومعرفةً وحضارةً وتقدمًا، لا سيما وأن المكتبة لم يقتصر دورها على تقديم رسالة ثقافية ومعرفية شاملة للمجتمع بما تحويه في جنباتها من معارف وما تقدمه من خدمات، وإنما تقدم الوسائل المُعينة لأخذ المعلومة مثل آلات التصوير والحواسيب المربوطة بشبكة المعلومات العالمية "الإنترنت"، فضلًا عن سهولة وصول الباحث إلى مبتغاه، ما يوفر عليه كل ذلك الوقت والجهد.
الحق، إن اهتمام السلطنة بإنشاء هذا الصرح الثقافي والإبداعي العظيم الذي يمثل معينًا علميًّا ومعرفيًّا وثقافيًّا يضاف إلى مصادر التنوير التي تزخر بها بلادنا كمنجزات ومكتسبات النهضة المباركة، ليس من باب الوجاهة والاستعراض بل تتويج رائع للمشهد الثقافي الحافل بالمنجزات والذي تشهده السلطنة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ، وتواصل حيوي لرسالة ثقافية مهمة تدرك الدور الذي لعبته المكتبات على مر العصور المختلفة ومساهمتها الفاعلة في تزويد الحضارات بالأوعية المعرفية التي أسهمت بشكل أو بآخر في الازدهار العلمي والمعرفي والثقافي والاقتصادي ونشوء المجتمعات الجديدة