إن إصرار الاحتلال الإسرائيلي على المضي في الانتهاكات غير القانونية وغير الأخلاقية في مدينة القدس المحتلة وتحديدًا في محيط البلدة القديمة والحرم القدسي الشريف، بلغ حدًّا لم يسبق له مثيل، حدًّا لا يرضي كل عربي ومسلم غيور على تلك البقعة المقدسة التي أسري إليها وعرج منها نبي الأمة، حدًّا لا يمكن السكوت عليه، بل يستدعي أن تتداعى الأمة بقضها وقضيضها وبكل الوسائل المتاحة لصد الهجمة الصهيونية الشرسة التي لا تمس الآثار العربية والإسلامية فحسب، وإنما تمس بشكل مباشر الدين الذي ارتضاه الله لهم كخاتم للديانات السماوية الأخرى، حيث عمد الاحتلال إلى تدنيس تلك البقعة الطاهرة والشريفة بصور شتى، وفي مقدمتها الاستيطان الذي أخذ يستشري كالسرطان في جسد ذلك المكان المقدس ليشمل القدس بجزءيها الغربي والشرقي، ويلي سرطان الاستيطان الخبيث اقتلاع الفلسطينيين المقدسيين من المدينة المحتلة تحت مزاعم مكشوفة ومفضوحة من قبيل السكن أو البناء غير القانوني أو غير المرخص، هذا يأتي في وقت تشير فيه التأكيدات الفلسطينية ليس إلى قيام الاحتلال بتغيير معالم المدينة المقدسة فحسب، وإنما إلى أن الحفر تحت أساسات المسجد الأقصى الشريف بات يهدد المسجد بالانهيار، وهذا الحفر يتم أيضًا تحت مزاعم وأوهام كاذبة وهي البحث عن ما يسمى الهيكل المزعوم وإعادة بنائه.
إن هذه المؤامرة الكبرى التي يحيكها الاحتلال الإسرائيلي ضد مدينة القدس لم تقتصر على المحتلين الإسرائيليين، بل امتدت إلى أبرز داعمي كيان الاحتلال الإسرائيلي وهو الولايات المتحدة، وقد أدخلت مدينة القدس المحتلة في السباق الرئاسي الأميركي، وقد وقف كل عربي ومسلم على ما روَّجه المرشح الجمهوري ميت رومني عن القدس المحتلة، وتأييده ودعوته لتكون القدس المحتلة عاصمة لكيان الاحتلال، ورغبته في نقل سفارة بلاده إلى المدينة في حال فوزه بالانتخابات. وإذا كان السياق الأميركي مفهومًا وهو تسوُّل صوت اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، فإن الهجمة الصهيونية هدفها هو إنهاء كل ما يمت إلى العرب والمسلمين بصلة، تهيئة للأرضية الكاملة والمناسبة وصولًا إلى اكتمال مخططهم المرسوم وهو إعلان ما يسمى "يهودية إسرائيل" وعاصمتها القدس الموحدة الأبدية.
ولكن إزاء كل هذا، ما الذي قدمه العرب والمسلمون من أجل مدينة القدس المحتلة والمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وفك أسرهما من الاحتلال وحمايتهما من الانتهاكات والتدنيس، ومن عمليات الحفر والتغيير المستمرة. لقد انعقدت قمم واجتماعات عربية وإسلامية كثيرة، ولم تأتِ بجديد من المواقف تجاه القدس والأقصى، بل إن جديدها كان هو تجاهلهما وإسقاطهما من أي حسابات قائمة أو قادمة، لدرجة أن كل عربي ومسلم غيور يقف مشدوهًا من النكوص العربي والإسلامي والتخاذل عن إبداء أي موقف يحمي أحد مقدساتهم التي أعلى خالقهم شأنها وعظمها، وما يزيد الأمر إدهاشًا وغرابة أن هذه القمم والاجتماعات الكثيرة قاسمها المشترك هو التباعد وتعميق الخلاف والخصام، بدلًا من التقارب والقضاء على كل مظاهر الكراهية والخلاف والنزاع، ما يعطي الاحتلال الإسرائيلي وداعميه وحلفاءه حماسة للسير نحو إكمال مخططهم ضد المنطقة الرامي إلى تمزيقها وتفتيتها، ونهب ثرواتها، وبث روح الفرقة والخلاف وتصلية نار الأحقاد والحروب بين أبناء العروبة وأتباع الدين الحنيف.. إن مدينة القدس وأقصاها الشريف والشعب الفلسطيني يستصرخون الأمتين العربية والإسلامية للنهوض من كبوتهما والالتفات إلى ما يحاك ضدهما من فتن وحروب وتفرق وتمزق. ويتساءل المواطن العربي والمسلم: متى يأتي اليوم الذي نحمي فيه هويتنا؟