في رؤية ملكية تتسم بالعمق وبعد النظر والقراءة الدقيقة لطبيعة المشهد الإقليمي وتداعيات ما يحدث على الساحة السورية ومستقبل عملية السلام على إيقاع الانتخابات الرئاسية الاميركية، جدد جلالة الملك عبد الله الثاني في المقابلة التي أجراها مقدم برنامج (غرفة الحدث) في محطة التلفزة الاميركية (سي إن إن) وولف بيلتزر، الأطر التي تنظم حركة الأحداث السورية بعيداً عن القرارات المختزلة أو الجزئية وإنما في شكل شامل يلحظ مصالح الشعب السوري الشقيق ويحول دون حدوث السيناريو الأسوأ وهو اندلاع حرب أهلية شاملة، إذ يصبح عندها من المستحيل النجاة من الانزلاق نحو الهاوية.
من هنا جاءت تحذيرات جلالة الملك من خروج الأزمة السورية وأحداثها المتمادية عن نطاق السيطرة لتعكس طبيعة وحجم القلق الأردني إزاء ما يحدث على الأراضي السورية الشقيقة وضرورة وقف معاناة الشعب السوري وضرورة الإسراع في إيجاد حل سياسي حتى لا تباغتنا الوقائع على الأرض دون أن نفقد الأمل ومواصلة إعطاء السياسة فرصة دون أن يعني ذلك أن لدينا المزيد من الفرص التي توشك بالفعل على تجاوزها.
القراءة الأردنية للأحداث السورية تتسم بالمسؤولية والحرص على مصالح الشعب السوري عبر الدعوة بإلحاح إلى وقف العنف بالسرعة الممكنة وإحلال السلام والبدء بعملية انتقال سلس للسلطة وهذا ما يراه جلالة الملك عن حق أقل الشرور، ولهذا لفت جلالته بقراءة تتسم بالعمق والإطلاع الدقيق على تفاصيل المشهد السوري في شأن ما يطرح عن مغادرة الرئيس السوري لموقعه طارحاً جلالته في واقعية وجرأة تساؤلاً حول ما إذا كانت هذه المغادرة وخروج الأسد من سوريا يوقف العنف ويمهد لعملية انتقال سياسي معتبراً إياه أخف الشرور ولكن جلالته تساءل في وضوح هل تجاوزنا هذه المرحلة حتى فات الأوان؟
ثم سارع جلالته إلى القول في وضوح أكثر هذا سؤال لا أملك له إجابة..
لا يخفى على أحد أن الأردن اتخذ ومنذ اندلاع الأزمة في سوريا موقفاً شديد الوضوح والشجاعة والجرأة مقدماً النصائح والمخاوف الأخوية والصادقة لدمشق في كيفية الخروج المبكر من هذه الأزمة قبل استفحالها، لكن خطوات جادة لم تحدث هناك وبدأنا نرى ومنذ ثلاثة أسابيع مرحلة جديدة تتقاتل فيها المجموعات المختلفة في المجتمع السوري وتهاجم بعضها إلى حد أصبح عنده من المحتمل تطور الوضع إلى حرب أهلية شاملة ..
ما يحول فعلاً دون حدوث إصلاح في سوريا إذا ما وقعت الحرب الأهلية وانهار النظام المدني ووصل نقطة اللاعودة وخصوصاً أن الحديث يدور عن بلد ينطوي على تعقيدات أكثر من أي دولة أخرى في المنطقة..
جلالة الملك كعادته في المقابلات الصحفية المرئية والمسموعة أو المكتوبة كما في محاضراته وخطاباته وحواراته يعتمد الصراحة والوضوح والشفافية نهجاً ثابتاً لا يحيد عنه، ولهذا تتسم أحاديثه بالاحاطة الشاملة للمشهد مستنداً إلى خبرة عميقة في القضايا الإقليمية والدولية ولهذا جاءت إجابته من الموقف الروسي من الأزمة في سوريا كاشفة عن الأسباب الحقيقية لما يوصف بالتصلب الروسي وخصوصاً انعكاسات الأحداث الليبية وما خسره الروس من مصالح في ليبيا عندما استبعدها الغرب (ومعها الصين) ما ترك طعم المرارة لدى هاتين الدولتين، ما بالك أن لسورية أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لروسيا.
المشهد المصري كما عملية السلام لم يغب عن المقابلة الملكية، حيث لفت جلالته إلى أن مصر بالنسبة إلينا لبنة أساسية في الشرق الأوسط ونحن بحاجة إليها كأحد الأطراف الرئيسية في العملية السلمية ولمواجهة التحديات العديدة في المنطقة، كذلك بالنسبة إلى الدور الاميركي في عملية السلام التي لم تمت ومهمتنا الإبقاء على العملية حية حتى نهاية هذا العام، حيث تختتم الانتخابات الاميركية وبناء على من سيفوز من المرشحين سنكون في وضع أفضل لإدراك سبل تحريك عملية السلام بداية العام المقبل لأن هناك ثقة ملكية بأن كليهما روفي وأوباما يتفهمان ما يحدث في الشرق الأوسط حيث لا تزال القضية الجوهرية تتمثل في حل الدولتين والتحديات التي تواجه الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.