لا يمكن الحديث عن جريدة عُمان بمعزل عن كونها مشروعا ثقافيا تنويريا بدأت مع بواكير عصر النهضة، وكانت خلال عقود أربعة تحاول جاهدة أن تعمل من منطلق الهدف الأسمى الذي وجدت من أجله.
والعائد إلى الجريدة منذ أعدادها الأولى سيجد نخب المجتمع المثقفة حاضرة في كل مشاهدها، محليا، وسياسيا، وثقافيا، واقتصاديا، ورياضيا؛ لأن فلسفة الجريدة بدأت على فكرة أنها جريدة كل العمانيين، أو بعبارة أخرى جريدة “الدولة” بكل أطيافها، وبكل تجلياتها.
وكان المثقف، بمفهوم الكلمة الواسع، حاضرا في كادرها التحريري، وبين أصدقائها من الكتاب، وليس أسهل من نبش تاريخ الجريدة في أعدادها الماضية.
ويؤكد ذلك التاريخ أنها أول جريدة أطلقت ملحقا ثقافيا في ثمانينات القرن الماضي، كان يحرره ويكتبه نخبة من مثقفي البلاد الذين تبنت الجريدة تجاربهم منذ نعومة أقلامهم إلى أن أصبحوا أسماء لها حضورها في المشهد العربي.
وكانوا على الدوام مصدر إثراء معرفي لها، وأداة فكرية أنتجت حوارا بناء ساهم في الدفع بمسيرة الحضارة إلى الأمام.
هذه الجريدة نفسها هي التي تلقت بالأمس بيانا موقعا من عشرات المثقفين الذين تفخر بهم عمان، “عمان الوطن، وعمان الجريدة” معنونا بـ” عهد الكلمة وكرامة الإنسان” يدين نشر صور أربعة مواطنين أصدرت في حقهم محكمة مسقط الابتدائية أحكاما متفاوتة بالسجن والغرامة فيما عرف بقضية “الكتابات المسيئة”.
وقد اعتبرت الجريدة ذلك البيان آتيا في سياق الرأي والرأي الآخر، وفي فضاء تعددية الأفكار التي لا بد أن نؤمن بها جميعا، وإلا فإن الجريدة تؤكد أنها تمارس عملها كوسيلة إعلامية حرة تقوم بدورها في نقل أي خبر يحدث في الداخل أو في الخارج دون أن تكون طرفا فيه، أو أن لا تنحاز إلا للحق أو للحرية المسؤولة، وكل ما يؤدي لصالح عمان وشعبها.
وقد غطت الجريدة منذ بدء مرافعات تلك القضية، وقضية التجمهر، كل تفاصيلها التي استطاعت الحصول عليها، وأوفدت رساما يقوم برسم وقائع الجلسة في ظل منع دخول المصورين إلى قاعات المحاكم، لتكون لديها الصورة التي تكمل ما يقوله الخبر، وخرجت بتغطيات حاولت جاهدة أن تكون محايدة وناقلة للحقيقة كما دارت في قاعة المحكمة، وفي النهاية ليست هي من يصدر الأحكام، بل هي تحترم، كما غيرها، حكم المحكمة.
ومن هذا المنطلق ووفق هذا التسلسل فإن الجريدة عندما نشرت صور المواطنين الأربعة الذين صدرت في حقهم أحكام مبدئية لم تكن تضمر إلا إكمال الخبر بصوره الحية، دون أن يكون لديها أو لدى محرريها أي نية أو هدف في جرح أحد أو إهانة كرامته، وإن حدث التباس في فهم مقصدها فإن الجريدة لا تستنكف أن تعتذر لقارئها الكريم، وتؤكد له أنها ماضية على الدوام في الإعلاء من شأن كرامة الإنسان وحفظها وصونها كما نص النظام الأساسي للدولة، وكما تنص عليه كل العهود والمواثيق الدولية والإنسانية.
وإذ تعلن عُمان أن رسالتها لا يمكن أن تكتمل دون مشاركة الجميع، فإنها تؤكد أن مساحاتها مفتوحة لكل الآراء الجادة والناضجة التي من شأنها أن تؤطر للمرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، والتي علينا جميعا أن نؤمن بمتغيراتها وبجديدها، وأن نتقبل الآخر مهما اختلفنا معه، وأن نفتح باب الحريات المسؤولة، والمساهمة في بناء الوطن لأن ذلك خيارنا الوحيد في المرحلة التي يعيشها العالم، وهو في النهاية خيار إنساني صميم لا حياد عنه.