قبل ثماني سنوات تقريبا، وتحديدا في الحادي عشر من نوفمبر عام 2004، أعلنت السلطة الفلسطينية رسميا وفاة الزعيم الفلسطيني السابق ياسر عرفات في مستشفى الجيش الفرنسي في بيرسي في كلامار بالقرب من باريس. وذلك بعد معاناة حصار استمر أربعة أعوام في مقر المقاطعة في رام الله، وهو الحصار الذي فرضه عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ارييل شارون، الذي تدهورت في نهايته صحة عرفات بشكل سريع حتى تم نقله إلى فرنسا للعلاج حيث أسلم روحه إلى بارئها.
وفي ظل التأثير والدور البالغ الأهمية الذي قام به «أبو عمار» – ياسر عرفات – في حركة النضال الفلسطيني منذ خمسينات القرن الماضي، وبشكل أخص مع انطلاق حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» في يناير 1964، سواء على صعيد العمل المسلح، أو على صعيد المفاوضات مع إسرائيل، فإن رحيل عرفات كان خسارة فادحة للقضية الفلسطينية، وللشعب الفلسطيني أيضا، غير أن الفلسطينيين حرصوا على مواصلة مسيرة عرفات حيث حمل الشعلة من بعده رفيق دربه محمود عباس– أبو مازن– الذي يعمل جاهدا من اجل مواصلة النضال الفلسطيني، والحصول على الحقوق الفلسطينية، بما فيها إنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة، إلى جانب إسرائيل وعاصمتها القدس الشرقية وفقا لمقررات الأمم المتحدة ومرجعيات السلام بين السلطة الوطنية الفلسطينية وبين إسرائيل.
جدير بالذكر انه في الوقت الذي ترددت فيه أنباء متفرقة حول تعرض عرفات لعملية تسميم قبيل وفاته، وعلى نحو يحمل بصمات جهاز المخابرات الإسرائيلية– الموساد– فإن أول بيان لكتائب شهداء الأقصى– الذراع العسكرية لحركة فتح– التي كان يتزعمها عرفات، حمل إسرائيل وحكومة شارون مسؤولية اغتيال عرفات، وكان ذلك فور إعلان وفاته، بل إن مصدرا فلسطينيا أعلن في اليوم ذاته أن الاعتقاد السائد لدى المسؤولين الفلسطينيين هو أن عرفات تعرض لعملية تسميم بمصدر إشعاعي تسلل إلى جسده عن بعد، وربما من مسافة مترين إلى ثلاثة أمتار وعبر تقنية إسرائيلية معروفة. والآن فإنه بعد أن عادت مسألة اغتيال عرفات إلى السطح مرة أخرى، فإنه من الأهمية بمكان أن تتضافر الجهود من اجل التحقيق على ارفع المستويات للتوصل إلى حقيقة ما تعرض له الزعيم الفلسطيني، وكيفية حدوث ذلك وملابساته، ليس من اجل استغلال ما قد تكشف عنه التحقيقات لصالح طرف فلسطيني ضد آخر، ولكن من اجل إظهار الحقائق، وكشف تورط إسرائيل في هذه الجريمة، خاصة وان هناك الكثير من الجرائم المماثلة سبق وارتكبها الموساد، ومن اشهرها محاولة اغتيال خالد مشعل في العاصمة الأردنية عمّان عام 1997 باستخدام مادة إشعاعية تم حقنه بها لولا تدخل العاهل الأردني السابق الملك حسين بن طلال الذي أصر على قيام إسرائيل بإبطال المادة التي تم حقن مشعل بها، وتم بذلك إنقاذ حياته.
ولأن عرفات شخصية محورية في تاريخ النضال الفلسطيني، فإن الكشف عن حقيقة الجريمة التي تعرض لها من شأنه أن يفيد حركة الشعب الفلسطيني في سيره نحو تحقيق أهدافه في الحرية والاستقلال، كما انه يضع إسرائيل أمام مسؤوليتها التي ينبغي أن تتحمل كل تبعات ما اقترفته حكوماتها ضد الشعب الفلسطيني وقيادته، وما تقترفه الآن أيضا من جرائم في حقه .