من أصعب التحديات التي يعيشها العالم اليوم استتباب الأمن والاستقرار، حيث في الوقت الذي تكافح فيه دول من أجل تأمين استقرار شعوبها والعمل على توفير مستوى معيشي يكفل لهم حياة كريمة، تعمل دول أخرى في هذا العالم على تقويض مظاهر الأمن والاستقرار، ويأتي في مقدمة هذه الدول الدول الصناعية التي اتخذت من سياسة الحروب تجارة رائجة لمبيعاتها ومحركًا لاقتصاداتها، غير آبهة بما ينتج عن هذه التجارة من دمار وقتل وتوقف لعجلات التنمية ومظاهر العيش من رفاه ورخاء وطمأنينة. فصناعة الأسلحة وتجارتها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بسياسات الدول المصنعة، حيث إن لمصانع السلاح وشركات تجارة الأسلحة الكلمة الأمضى والدور المؤثر في صنع وتوجيه سياسات تلك الدول التي لا تتحرك ولا تعمل إلا وفق ما يخدم تلك المصانع والشركات باعتبارها أحد أعمدة الاقتصاد، وما توفره أيضًا من فرص لمئات الآلاف من الباحثين عن عمل.
وتتصدر قائمة مبيعات الأسلحة، الأسلحة التقليدية التي تبلغ مبيعاتها بين 60 إلى 70 مليار دولار سنويًّا والتي يقول دعاة الحد من الأسلحة إن شخصًا يموت كل دقيقة في عنف مسلح حول العالم، وأن هناك حاجة إلى اتفاقية لمنع الأسلحة التي تباع بطريقة غير شرعية من التدفق إلى مناطق الصراع وإذكاء حروب وفظائع.
وفي افتتاح مؤتمر الأمم المتحدة لتنظيم تجارة الأسلحة في العالم في نيويورك أمس الأول أكد بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة "ليس لدينا معاهدة متعددة الأطراف ذات نطاق عالمي للتعامل مع الأسلحة التقليدية"، واصفًا عدم وجود مثل هذه المعاهدة بـ"الشيء المشين"، مضيفًا أن "مبيعات الأسلحة التقليدية تغذي صراعات أهلية وتزعزع الاستقرار في مناطق وتقوي شوكة الإرهابيين وشبكات الجريمة".
ليس هناك اليوم بقعة في العالم تصطلي بنيران هذه الأسلحة أكثر من منطقتنا التي وجدت فيها الدول الصناعية الكبرى ضالتها وسوقًا رائجة لمصانع أسلحتها وشركاتها، وميدانًا لتجاربها، فلم تكتفِ ببيع السلاح، وإنما أوجدت المناخات الملائمة لإدارة تروس مصانعها واقتصادها وذلك بإشعال الحروب ضد دول المنطقة وإثارة الفتن والقلاقل بينها وبين شعوبها، لتدفعها دفعًا إلى عقد صفقات الأسلحة التي تصل إلى مليارات الدولارات، إلى جانب إقامتها على أرض فلسطين أكبر مصدر للقلاقل والفوضى ألا وهو الكيان الإسرائيلي المحتل ليكون خنجرًا مسمومًا في خاصرة الوطن العربي، ولضرب استقرار المنطقة وأمانها، وزودته بأعتى الأسلحة وأشدها فتكًا ومن أفضل ما توصلت إليه مصانع أسلحتها، مُطْلِقةً بذلك سباقًا للتسلح في المنطقة، ما مكَّن الدول المتاجرة للحروب والمصنعة للأسلحة منذ ذلك اليوم وإلى الآن من جني ثمار هذه الصناعة الرديئة. والمؤسف أن هناك من دول المنطقة من يلجأ إلى إنعاش اقتصادات تجار الحروب والفوضى في ظل الأزمة المالية والتردي الاقتصادي، بعقد صفقات أسلحة بالمليارات وهي تعلم أن هؤلاء التجار هم سبب نكبات المنطقة. وللمرء أن يسأل: الأسلحة التي تقتل الشعب السوري الآن والتي قتلت وتقتل الشعب العراقي والليبي واليمني من مصدرها؟ ومن الذي يقف وراء ذلك؟
نعم إنه لأمر مشين أن يتقوقع العالم في مستنقع الحروب وتجارة الأسلحة ولا يملك معاهدة تخفف عنه هذا الخطر المتعاظم، ولكن حين نعلم أن من يتحكمون في تجارة الحروب والأسلحة هم السبب في عدم ولادة هذه المعاهدة، وأنهم هم من منعوا مشاركة الوفد الفلسطيني في المؤتمر لولا الضغط المصري، فإن استقرار العالم وأمنه لا يزالان في خطر.
وتعد الولايات المتحدة التي يعقد فيها المؤتمر هي أكبر تاجر للسلاح في العالم وتشكل أكثر من 40 بالمئة من المبيعات العالمية للأسلحة التقليدية. وإذا كانت تجارة الأسلحة قد تراجعت بعد انتهاء الحرب الباردة، فها هي الولايات المتحدة تعيدها إلى الواجهة أكثر نشاطًا وأكثر عنفًا بحروبها التي أقامتها بحجة مكشوفة وهي الحرب على ما يسمى "الإرهاب"، حيث شنت حربين غير شرعيتين في أفغانستان والعراق، وتعمل حاليًّا على التحريض والتأليب والمشاركة بصفقات الأسلحة وقبض الأموال لدعم الجماعات المعارضة المسلحة لزعزعة الاستقرار والإطاحة بالحكومات كما هو الحال في سوريا وكان من قبل في ليبيا.
المؤتمر سيمتد حتى السابع والعشرين من الشهر الجاري، وحتى هذا الموعد سنرى ما إذا كانت ثمة رغبة في استقرار العالم أم لا؟