لم تكن القضية الفلسطينية السبب المباشر للانتفاضات التي حدثت خلال العام الماضي وما تزال مستمرة هذا العام، وإن كان كامنة تحت رماد الأنظمة العربية الاستبدادية المحترقة بلهيب الثورات العربية. وحين ثار شعب تونس على نظام بن علي الاستبدادي كان في ذهنهم أن يضعوا حدا لدكتاتورية النظام وقمعه للحريات وأن يبدأوا عهدا جديدا يعمون فيه بالحرية والديموقراطية والرخاء الاقتصادي والاجتماعي.

وهكذا كان الحال في مصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا بنسب متفاوتة، وإن كانت هناك العديد من القواسم المشتركة فيما بينها. لكن فلسطين كانت دائما في أذهان العرب وهم يحتجون على تبعية أنظمتهم للإرادات الأجنبية، وخضوعها أو تساهلها مع الإملاءات الاسرائيلية والغربية عامة.

وكان حصار غزة، على سبيل المثال، مبعث غضب وحسرة ليس في مصر وحدها بل في العالم العربي كله، حيث شارك نظام حسني مبارك فعليا في هذا الحصار، وتعامل مع القضية الفلسطينية وما يسمى بعملية السلام من منطلق المحايد الذي لا ارتباط له بهذه القضية، وليس من موقع الشريك مع الفلسطينيين والذي دفع ثمنا باهظا من الشهداء والأموال خلال الحروب العربية ضد اسرائيل منذ بداية القضية الفلسطينية وحتى معاهدة كامب ديفيد مع اسرائيل.

وهناك افتراض ربما يكون وجيها، ومنطقيا في الوقت نفسه :وهو أن الدول العربية التي ماتزال في المرحلة الانتقالية من عهود الاستبداد والدكتاتوية إلى الديموقراطية والحرية لم تصل بعد إلى مرحلة الاستقرار وثبات سلطة الدولة. بل إن منها من يعاني من نوع من الثورة المضادة والخلافات بين التيارات الدينية والليبرالية، وبالتالي فهي منشغلة بقضاياها الداخلية عن الملفات الخارجية، حتى وإن كانت هذه الملفات تتعلق بأمنها القومي الخارجي، وبقضية العرب المركزية الأولى- أو التي يفترض أنها القضية المركزية الأولى.

وهناك في تلك الدول من يبث أفكارا سامة حول فلسطين والفلسطينيين بهدف نشر الكراهية والحقد على الشعب الفلسطيني، تحت مختلف الأباطيل الكاذبة والقصص المختلقة. والهدف كما هو واضح هو إرضاء الغرب واسرائيل، فهم يقدمون لهما دعاية مجانية، أو ربما دعاية مأجورة ، لكنها منبوذة في نظر غالبية الشعوب العربية.

ومن المؤسف أن هذا الانعزال العربي الذي نأمل أن يكون مؤقتا عن القضية الفلسطينية، يجيء في وقت مصيري بالنسبة لهذه القضية، وهذا ما يخدم المخططات الاسرائيلية، خصوصا ما يتعلق منها بالاستيطان ومصادرة الأراضي والاستيلاء بالقوة على منازل المقدسيين، وتسريع تهويد الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ومع إدراك الشعب الفلسطيني أن هذا الانشغال العربي عن القضية لن يطول، فإن بعض الاهتمام بفلسطين والفلسطينيين ومن خلال مبادرات عربية فعالة وجادة، ومواقف تظهر لاسرائيل أن الأمة العربية والإسلامية تقف وراء قضيتها المشتركة، سوف يخفف من شدة الممارسات الاسرائيلية المتخذة بحق شعبنا، ويوضح لاسرائيل أن استمرار هذه الممارسات ستكون له أوخم العواقب إن لم يكن عاجلا فلا بد أن ذلك آت في المستقبل غير البعيد جدا، وبعد استقرار الأنظمة الثورية العربية وتحقيقها الحد الأدنى من أهدافها المحلية.