اليوم تحل الذكرى الحادية والثلاثون على قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والتي توافق الخامس والعشرين من مايو من كل عام، حيث كان هذا التاريخ في العام 1981م الشاهد على قيام أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس بإرساء أولى قواعد العمل الخليجي المشترك، وذلك أثناء انعقاد الدورة الأولى (التأسيسية) في العاصمة الإماراتية أبوظبي، معلنين بعزم أكيد ورغبة صادقة عن بناء هذا البيت الخليجي الشامخ.
حيث سارت عملية البناء بوضع لبناته لبنة لبنة منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم من العام 2012م، تحدو هذه العملية قناعة راسخة ومنظور واعٍ وحكمة سديدة وهندسة فذة من قبل قادة دول المجلس، حيث كانت الدواعي والأسباب آنذاك تفرض قدرًا كبيرًا من الحكمة وهندسة خطط العمليات، وضرورة تضافر الجهود والتنسيق، إذ كانت المنطقة على صفيح ساخن جراء العديد من المتغيرات التي تهدد أمنها واستقرارها، فالنار تعظم من مستصغر الشرر، وبالتالي لا بد من الاستعداد لما تخبئه الأيام وأخذ الاحتياطات قبل أن تصل ألسنة النار.
وعلى مدى ما يزيد عن الثلاثين عامًا استطاع هذا البيت الخليجي أن يقطع أشواطًا ويؤسس قاعدة تعاون شاملة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية انعكس نجاحها على جوانب التنمية في كل قطر من أقطار المجلس التي شهدت وتشهد تسارعًا مطردًا في مجالات التنمية أدى بدوره إلى بروز مظاهر التمدن والتحضر والرفاه الاجتماعي والتواصل الأسري التي يرفل في أثوابها أفراد هذا البيت من مسقط إلى الرياض، فقد غدا حقيقة ساطعة يشار إليها بالبنان.
فعلى الصعيد السياسي شكلت عملية تنسيق المواقف والتشاور فيما يخص استقرار دول المجلس وأمنها حالة استثنائية، سواء على صعيد القمم التي تعقد في شهر ديسمبر من كل عام أو القمم التشاورية التي تسبق القمة من أجل بناء تفاهم عام ووضع الخطوط العامة، والاتفاق على جدول أعمال القمة القادمة، ومراجعة ما تم إنجازه من خطط وسياسات وإنجازات تخص الشأن الخليجي أو العربي، أو على مستوى اللقاءات الثنائية التي يعقدها قادة المجلس. وعلى الصعيد الاقتصادي قطعت دول المجلس شوطًا لا بأس به في هذا الشأن كالسوق الخليجية المشتركة والربط الكهربائي، وفتح فرص العمل لمواطني دول المجلس والمعاملة بالمثل، فأصبح للمواطن الخليجي الحرية في اختيار الدولة الخليجية التي يريد العمل فيها.
أما خارجيًّا فقد عمل المجلس على تعزيز المساهمة الاقتصادية للصناعة البترولية لدوله في رفد الاقتصاد العالمي بما يدعم نموه واستقراره، وتشييد المزيد من المشروعات البترولية الاقتصادية المشتركة بين دول المجلس وبينها والعالم، وتنسيق سياسات ومواقف دول المجلس تجاه قضايا وتحديات الطاقة العالمية. كما أن الجانب الأمني والعسكري حقق فوائد جمة للمواطن الخليجي وكرس التكامل بين دول المجلس، من حيث تمكينه من الانتقال بسهولة ويسر بين الدول الست.
والتمتع بمختلف التسهيلات والامتيازات الممنوحة لمواطن الدولة العضو في مجلس التعاون بما في ذلك التأمينات والمعاشات والرعاية الصحية، وآفاق المشروعات وحقوق التملك، أو من حيث إقرار اتفاقية الدفاع المشترك في القمة الحادية والعشرين في ديسمبر عام 2000 وكذلك اتفاقية دول مجلس التعاون لمكافحة الإرهاب في عام 2003. ولم يقتصر التكامل والتعاون على هذه المجالات وإنما شمل أيضًا التكامل والتعاون في مجالات التعليم والثقافة والاجتماع والإعلام وتوحيد الرسالة الإعلامية إلى الناشئة، وتقديم الأحداث في قوالب موضوعية وعدم التهويل منها.
ولم يقتصر دور مجلس التعاون على الشأن الداخلي لدوله فحسب، بل كان المحرك الأبرز وصاحب الدور المؤثر في قضايا المنطقة، سواء فيما يخص دعم الحقوق العربية، والتصدي للأطماع الإسرائيلية ونصرة الشعب الفلسطيني، ودعم أواصر الوحدة والاستقرار التي تنشدها الشعوب العربية.
إن مجلس التعاون لدول الخليج العربية إذا كان ولد في ظروف سياسية صعبة، أعطته القوة والصلابة، فإن هذه الظروف لم تزُل وهي كفيلة اليوم بأن تزيده قوة وصلابة واستمرارًا، فمن المحنة تولد المنحة، ناهيك عن حكمة قيامه وهي أنه ولد ليبقى وسيبقى بإذن الله صامدًا في وجه التحديات وقادرًا على ملء الفراغ الأمني والسياسي، كما ملأه لحظة ميلاده، وما بلوغه عامه الحادي والثلاثين سوى مفخرة لكل مواطن خليجي ودليل على صموده. ويقيننا أن حكمة قادة هذا المجلس كما حافظت عليه على مدى أكثر من ثلاثين عامًا، فإنها قادرة على إعلاء شأن المجلس وذلك بتطوير آليات عمله وسياساته وتجديدها بما يخدم شعوب دوله ويعزز روح المواطنة الخليجية.