على الرغم من الأجواء التي سادت في الفترة الماضية حول وجود تقدم في مشروع المصالحة الوطنية بين حركتي فتح وحماس، فإن الانقسام لا يزال هو سيد الموقف، فهو إحدى البوابة الرئيسية التي يدلف منها المحتل الإسرائيلي لينهب الأرض الفلسطينية وينتهك حقوق الشعب الفلسطيني، وفي ظل هذه العربدة والعبث يبقى الشعب الفلسطيني يُمنِّي النفس بتحقق أحلامه وآماله، ولم يتوقف عن المطالبة بعودة الوحدة الوطنية وتنظيم المسيرات المطالبة بإنهاء الانقسام لإيقاف نزيف الجسد الفلسطيني ومنع المحتل الإسرائيلي من مواصلة تقطيع هذا الجسد وتجريحه كل صباح ومساء.


محزن وموجع أن يصادق برلمان الاحتلال الإسرائيلي "الكنيست" ـ على سبيل المثال ـ على تخصيص مبلغ 44 مليون شيكل لدعم عملية السرقة والنهب للأرض الفلسطينية وتسريع وتيرة سرطان الاستيطان في الضفة الغربية، في حين أن الوضع الفلسطيني يواصل انقسامه، وتستمر حركتا حماس وفتح في التراشق الإعلامي والكلامي وتبادل الاتهامات، كما حدث أمس الأول بين الحركتين على خلفية تشكيل حكومة فلسطينية برئاسة سلام فياض وهي حكومة مؤقتة ـ حسب الرئيس الفلسطيني محمود عباس ـ مهمتها الإعداد للانتخابات المحلية، في حين اعتبرتها حماس أنها حكومة تعزز الانقسام ولم تحضَ بالشرعية.

كما تأتي هذه الإشارات التي تدل على أن الانقسام الفلسطيني سوف يكون علامة فتحاوية ـ حمساوية بامتياز، بالنظر إلى تضاؤل احتمالات انتهائه وعودة الوحدة وروح العلاقة بين الحركتين اللتين قدمتا الكثير في تاريخ نضالهما، تأتي هذه الإشارات في الوقت الذي يشكل فيه الاحتلال الإٍسرائيلي حكومة حرب أطلق عليها "حكومة وحدة وطنية"، فالأمر يبعث على الحيرة والقلق أن يقوي الاحتلال وحدته الداخلية متأبطًا شرًّا ومتربصًا بالآخرين وأولهم الشعب الفلسطيني وقضيته، بينما في المقابل تصر فتح وحماس على استمرار الانقسام وتغذيان نوازعه ونوازع التباعد والتباغض أكثر مما تعملان على خلق وقائع تقربهما انطلاقًا من الثوابت الوطنية الفلسطينية، والاتفاق على مشروع وطني تحرري.


إن الرهان على جامعة الدول العربية والمنظمات والمؤسسات الدولية في ظل الوضع الفلسطيني القائم المنقسم والمترهل، هو رهان خاسر، فلن تجدي نفعًا زيارات المسؤولين الفلسطينيين وتبادل القبلات والضحكات والكلمات المنمقة، ما لم تكن هناك أرضية قوية وصلبة ينطلق منها أولًا المسؤول الفلسطيني، وثانيًا تسند جامعة الدول العربية والمنظمات الدولية فيما هو مطلوب منها من دور، وتلقي عليها الحجة وتضعها أمام مسؤولياتها الأخلاقية، فقد رأينا ـ على سبيل المثال ـ موقف جامعة الدول العربية من مصادقة الكنيست لميزانية دعم سرطان الاستيطان في الضفة، حيث جاء الموقف مكتفيًا بالتنديد، ومصحوبًا بالكلام الإنشائي كالعادة، فقد وصفت الجامعة قرار الكنيست بأنه هو شهادة على أن "إسرائيل" دولة متغطرسة وتعتبر نفسها فوق القانون، وأن الاستيطان باطل ولا يعتد به، مختتمة موقفها بالتذكير بقرار محكمة العدل الدولية في لاهاي حول عدم شرعية الاحتلال، وضرورة تفكيك المستوطنات، وأن الاستيطان هو من أطاح بعملية السلام، وسيطيح بالاستقرار في المنطقة.


إن ما يريده الاحتلال الإسرائيلي من الفلسطينيين أن يكون الانقسام هو الصورة الحقيقية العاكسة لأوضاعهم، وليكون هو الأرضية التي تمكِّن الاحتلال من تحقيق الأحلام التلمودية لقطعان المستوطنين، وهذه الأحلام لن تتأتى إلا بتهجير الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته، لكن ما يزعج ويقلق لماذا لا يعطي الفلسطينيون هذه الحقيقة قيمتها وأهميتها وجعلها نقطة الالتقاء الجامعة.


إن الكيان الإسرائيلي المحتل من عادته أن يستغل الظروف في إحراز وقائع جديدة على الأرض، وليس هناك ظروف أفضل تمكنه اليوم من ظروف الانقسام الفلسطيني وما تمر به بعض البلدان العربية، فإذا كان ليس بمقدور الفلسطينيين أن يغيروا الوضع العربي فعلى الأقل يستطيعون تغيير أوضاعهم من خلال إنهاء الانقسام وتطوير أشكال نضالهم.