يبدو أن مسار المداولات السياسية والجهود القائمة بشأن الأزمة السورية أصبح منحصرًا فقط حول المراقبين الدوليين وسرعة نشرهم، بعيدًا عن أي شأن آخر، وكأن المعضلة الآن تتمثل في المراقبين وعددهم وسرعة نشرهم، وإذا ما تحقق ذلك انتهت الأزمة وحلت جميع المسائل العالقة بين الحكومة السورية والمعارضة المسلحة.

للأسف إن التعاطي مع الأزمة وفق هذا المنطق وحصرها في خانة المراقبين، واتهام الحكومة السورية بعدم الالتزام بوقف إطلاق النار وممارسة الضغط عليها، دون وجود أي ضغط حقيقي على المعارضة السورية المسلحة لوقف خروقاتها، بما يسمح بالانطلاق إلى القضايا الأخرى المتعلقة بالحل السياسي القائم على الحوار الوطني، فإن مؤدى ذلك أن تعود الأزمة إلى مربعها الأول الذي هو بالفعل كل المؤشرات تشير إلى أن هناك من لديه مصلحة في تأزيم الأوضاع وتعقيد الأزمة وإعادتها إلى مربع الصفر.

ويبدو أن لديه أجندته الخاصة يسعى إلى تحقيقها في سوريا وعلى حساب أرضها وشعبها وأمنها واستقرارها، ويتستر بشعارات وستارات تحمل في ظاهرها الطابع الإنساني والغيرة على الشعب السوري، والانتصار للمعارضة ولحقوقها المشروعة، ولم يخفِ دعمه لها سرًّا وعلانية المتمثل في المال والسلاح، بينما باطنها يحمل ظلمًا وأي ظلم؛ إنه كبير وخطير، سوف يدمر سوريا ويمزقها أشتاتًا وينحرها من الوريد إلى الوريد.

ولذلك فهناك من يستشعر هذا الظلم وهذه الخطورة المحدقة، فانبرى إلى إطلاق التحذيرات المتتالية مثل روسيا والصين من أن ثمة من يعمل بكل جهد ممكن لإفشال خطة كوفي أنان المبعوث الخاص للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا، وجر السوريين إلى أتون حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، وذلك بتشجيع المعارضة السورية المسلحة على ارتكاب خروقات ونحر النقطة الخاصة "بوقف إطلاق النار بكل أشكاله من قبل الجميع" الواردة في خطة أنان، لأن الساعين إلى إفشالها يوقنون أن الحكومة السورية لن تصمت على هجمات المعارضة المسلحة التي تستهدف قواتها وعلى عمليات استفزازها، بحيث يصار فيما بعد إلى الإعلان عن أن الخطة فشلت بسبب عدم التزام الحكومة السورية بالخطة، ما يجب اللجوء إلى الخيارات الأخرى.

وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الذي عقدوه في القاهرة أمس حول سوريا والسودان، ركز فيما يخص الشأن السوري على أمرين؛ الأول سرعة نشر المراقبين الدوليين وأن "المهم هو وقف إطلاق النار وهذا لن يتحقق إلا بوجود عدد كافٍ من المراقبين على الأرض". والأمر الثاني هو توحيد صفوف المعارضة السورية، حيث الجهود مستمرة في هذا الصدد، وأن هناك "اتفاقًا مبدئيًّا" لعقد مؤتمر لكل أطياف المعارضة السورية في القاهرة في الـ16 من مايو المقبل.

إن من الواجب على وزراء الخارجية العرب وحلفائهم في المعسكر الغربي أن يتقدموا إلى الأمام خطوة أخرى، فبدلًا من التركيز على سرعة نشر ذوي القبعات الزرق وعددهم، الانتقال إلى ضبط المعارضة المسلحة وبقية الجماعات المسلحة المنضوية تحت عباءتها، ومنعها من عمليات الاستفزاز وشن الهجمات، وبدلًا من دعمها بالسلاح والمال، أن يضغطوا عليها للبدء في الحوار الوطني وأن يكون السادس عشر من مايو المقبل مقدمة في هذا الاتجاه؛ لأن كل المبررات سقطت والتي تجعلها تلجأ إلى العنف بزعم أنه دفاع عن النفس.

فالجميع الآن أصبح معترفًا بالحقوق التي تطالب بها المعارضة السورية بما فيها مجلس الأمن الدولي والقوى الدولية المحسوبة على سوريا، وقد جاءت خطة المبعوث الأممي كوفي أنان من أجل تلبية مطالب المعارضة، وبالتالي لماذا يتم اللجوء إلى العنف والتخطيط للسيطرة على المقار الرسمية السورية بهدف "إسقاط النظام" ـ كما تقول بذلك قيادات المعارضة علنًا على الفضائيات ـ؟

ثم إن خيار وقف العنف وعمليات الاستهداف والاستفزاز، والامتناع عن التخطيط للاستيلاء على المقار الأمنية وشل الحركة بالمظاهرات والاضطرابات، يجب أن يكون وسيلة لإثبات ما تصر قيادات المعارضة على ترديده عبر الفضائيات بأن الحكومة هي من يخرق وقف إطلاق النار وليس المعارضة، فلماذا لا تلجأ إلى ذلك؟ أليست هذه وسيلة أقوى من العنف والسعي إلى مغامرات غير محسوبة؟ لذا على المعنيين بالأزمة السورية والموالين والمتبنين لخيارات المعارضة السورية والداعمين لها أن ينتقلوا إلى الحل السياسي بدلًا من التقوقع في نطاق المراقبين فقط.