في الوقت الذي يتباكى المتباكون على نزيف الدم واستمرار العنف في سوريا، ويرفعون المؤشر الإنساني تجاه الشعب السوري وتجاه أولئك اللاجئين الذين تقدر الأمم المتحدة عددهم بأكثر من 230 ألف لاجئ وعدد الذين يحتاجون إلى مساعدة بحوالي مليون شخص، وفي الوقت الذي يقولون إن خطة كوفي أنان المبعوث الخاص للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا هي الفرصة التي يجب أن لا تفوت وهي المخرج الآمن للأزمة، تأتي مواقف هؤلاء المتباكين السياسية ـ للأسف ـ من الأزمة برمتها ومن خطة أنان مغايرة ومتناقضة تمامًا لحالة التباكي؛ وتعبر عن رغبة قوية باتجاه تعقيد الأزمة وتأزيمها وإفشال خطة المبعوث الأممي المكونة من ست نقاط، وكأن هناك استعجالًا تستحثه أطراف محددة تمارس النفاق مع الشعب السوري ببكاها للقفز إلى الخيارات الأخرى، وبالتالي استمرار نزيف الدم السوري واستمرار المعاناة الانسانية.
لقد كان ما يسمى "مؤتمر أصدقاء سوريا" واضحًا في التلاعب بالألفاظ بين اعتبار خطة أنان هي فقط الخيار، وغيرها لا يعني سوى الانزلاق إلى حرب أهلية، وبين ضرورة الانتقال إلى الخيارات الأخرى التي يأتي في مقدمتها الفصل السابع واستخدام القوة العسكرية وفرض حظر على الأسلحة إلى سوريا، فلا يستقيم الموقف حين يتم علنًا الجمع بين الخيار السلمي والسياسي الذي تمثله خطة كوفي أنان وضرورة إنجاحها وتقديم الدعم اللازم وتوفير الوسائل لبعثة المراقبين الدولية ومطالبة الحكومة السورية بحرية التحرك لهم، وبين التلويح باللجوء إلى استصدار قرار في مجلس الأمن وفق الفصل السابع، أو لجوء "أصدقاء سوريا" إلى القيام بعمليات عسكرية تقصف بها مراكز ومنشآت داخل سوريا، وفتح "ممرات إنسانية".
ليس هناك تفسير لحالة الاستعجال هذه سوى أن هؤلاء "الأصدقاء" بدأوا يشعرون بانهيار معنوي وضغط نفسي رهيب من قدرة الحكومة السورية وصمود الموقفين الروسي والصيني الداعمين، وهو شعور يشترك فيه ليس "الأصدقاء"، بل المعارضة السورية المسلحة أيضًا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن الحكومة السورية قد نجحت بالفعل في رمي الكرة في ملعب "الأصدقاء" والمعارضة المسلحة، وهذا النجاح في الحقيقة ليس في مرته الأولى، وإنما كان حاضرًا في كل خطوة يتخذها دعاة الحل وزاعموه، أضف إلى ذلك أن المراهنات على حصول انشقاقات كبيرة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية وداخل الحكومة السورية لم يحصل، بل هناك تماسك رهيب في المؤسسة والحكومة، أصبح يبعث برسائل إحباط وانهزام لـ"الأصدقاء" والمعارضة المسلحة، فكان الرهان أن يسقط النظام بأكمله بعد أشهر وبعد سنة، إلا أنه لا يزال يثبت أنه يدير الأزمة بحكمة وقدرة فائقتين.
ولذلك كل التمني من أولئك الذين يذرفون دموع التماسيح أن يرأفوا صدقًا وعملًا بالشعب السوري ويكونوا أصدقاءه حقًّا، بالاتجاه إلى ازالة الأسباب الحقيقية التي تؤزم الوضع وتعقِّد الأزمة، وأول هذه الأسباب رفع العقوبات الاقتصادية ومنع المعارضة من اللجوء إلى العنف والتوقف عن تسليحها، وتطبيق خطة أنان لا سيما في البدء في حوار سياسي وطني؛ لأن أولئك اللاجئين السوريين الذين خرجوا من ديارهم وحرموا من العيش باطمئنان وأمان في بلادهم، يتحمل مسؤوليتهم الأخلاقية هم أولئك الذين يزعمون أنهم "اصدقاء" للشعب السوري.