يحاول المجلس الوطني الانتقالي الليبي والحكومة الليبية جاهدين نزع فتيل التوتر المشتعل في غرب ليبيا، ومنع الاقتتال الذي أوقع ما يزيد على اثنين وعشرين قتيلًا والذي تدور رحاه بين سكان مدينة زوارة ذوي الأصول الأمازيغية وبين سكان مدينتي الجميل ورقدالين.

ليس من المبالغة في شيء إذا قلنا إن ليبيا تسير سيرًا حثيثًا نحو المجهول والضياع، ويتملك قلوبنا جميعًا الحزن والألم ويدميها ما يحدث الآن في ذلك القطر العربي الشقيق الذي كل الإرهاصات تشير إلى أنه قد بدأ مرحلة الانفراط من العقد العربي ليتلو من سبقه من الأقطار العربية؛ الحبات الأخرى التي انفرطت من العقد في ظل سلطة ضعيفة للمجلس الوطني الانتقالي الذي عجز إلى الآن عن فرض سيطرته، والوفاء بما أعلنه من التزام بسحب الأسلحة من أيدي "الثوار"، والعمل على تعويضهم بالمال، وحكومة ضعيفة لم تتمكن إلى الآن من بناء مؤسسات الدولة من جيش وشرطة وقضاء وأجهزة إدارية وأمنية.

لم يصدق الليبيون أنفسهم أنهم قد تخلصوا من نظام ديكتاتوري جثم على صدورهم ما يزيد على أربعين سنة، لم تنعم ليبيا في عهده بحظ وافر من التنمية الاقتصادية والتي تتمتع بثروة نفطية كبيرة تقدر عائداتها السنوية بحوالي خمسين مليار دولار، إلى جانب الذل والظلم والاستبداد، مثلما أنهم لم يصدقوا أنفسهم اليوم أنهم قد وقعوا في براثن وضع لا يقل ظلمًا، بل إنه وضعٌ يمثل خطرًا داهمًا لا يهدد حياة المواطنين الليبيين وأمنهم فحسب، وإنما يهدد بتمزيق ليبيا ويضرب استقرارها ووحدتها، في ظل انتشار السلاح بمختلف أنواعه الثقيل والخفيف والنزعة القبلية، وتحول مناطق ليبيا إلى مواجهات مسلحة وإلى مراكز تدريب المقاتلين، وإلى نقاط تهريب السلاح، وتحول حدودها إلى منافذ تهريب الأموال.

الإشارات الواردة من ليبيا بدءًا من المواجهات المسلحة التي دارت بين مسلحي مصراتة والزنتان وطرابلس، ثم المواجهات المسلحة التي اشتعلت في مدينة بني وليد، ومرورًا بإعلان إقليم برقة النفطي الانفصال، مع تدفق المقاتلين وقطع السلاح على إفريقيا والدول العربية التي تشهد اضطرابات وقلاقل مثل سوريا والصومال واليمن، وانتهاء بالمواجهات المسلحة ذات الصبغة الطائفية والعرقية، كل تلك الإشارات تقدم أنموذجًا حيًّا على ما يترتب عليه أي تدخل عسكري أجنبي من نتائج كارثية، وما يجري الآن في ليبيا هو نتيجة مباشرة ومعروفة مسبقًا؛ أي قبل قيام أول طائرة فرنسية بإلقاء أول قنبلة ضد كتائب العقيد الراحل معمر القذافي؛ أي بالمحصلة أن ليبيا تركها المتدخلون عسكريًّا تحت ستار "حماية المدنيين" تلعق جراحها وتواجه مصيرها الذي تنتظره، بعد أن سيطروا على ما جاؤوا من أجله وهو النفط وضمنوا تدفقه إليهم، وبالتالي يقول لسان حالهم "يغور" الشعب الليبي ما دمنا قد حصلنا على ما كنا نخطط له ونبتغيه.

ليس أمام الليبيين ـ إذا ما أرادوا بلادهم بلادًا مستقرة وحاضنة للجميع بمختلف طوائفهم وقبائلهم وأعراقهم باعتبارها إحدى واجهات "الربيع العربي" ـ سوى إعادة توحيد صفوفهم من جديد ونبذ مظاهر الشحناء والكراهية ومحاربتها، وتسليم أسلحتهم للحكومة الانتقالية الحالية ومساعدتها على إرساء مظاهر الأمن والاستقرار وبناء المؤسسات، والانتباه إلى أن تحت أرجلهم بحرًا من الثروة النفطية ملكهم وحدهم يجب أن لا يستولي عليه غيرهم أو يشاركهم فيه، وإلا فإن ليبيا ستتحول إلى أفشل دولة ليس في الوطن العربي وإنما في العالم أجمع، ما سيرتب على الليبيين سابقة تاريخية بحق بلادهم يندمون عليها أشد الندم.