لم يكن مفاجئًا دخول الجيش العربي السوري حي بابا عمرو بمدينة حمص، وسيطرته على الأوضاع في هذه المحافظة التي ابتليت بسيطرة المسلحين، وذلك بحكم الغلبة والقوة والسيطرة الكاملة له في مواجهة مجموعات المعارضة المسلحة إلى جانب عناصر تابعة لتنظيم القاعدة، لكن ما يجب التشديد عليه في هذا المقام هو أن اللجوء إلى السلاح للمطالبة بحقوق أساسًا هي مشروعة، هو أمر خاطئ جملة وتفصيلًا، خاصة في ظل تجاوب من يملك تحقيق هذه المطالب، وبالتالي ينبغي أن لا تذهب هذه المجاميع المسلحة من المعارضة السورية ـ التي شوهت بكل صراحة غالبية المعارضة السورية من الشعب السوري التي لا تزال تتمسك بالخيار السلمي في المطالبة بحقوقها المشروعة ـ إلى اعتبار سيطرة الجيش السوري على حي بابا عمرو هزيمة ينبغي الانتقام لها، بل ينبغي أن تنظر إلى هذه السيطرة من زاوية عقلانية ومنطقية هي أقرب إلى واقع تم تغييبه عمدًا، وهو واقع يجب أن يدفعها الى إلقاء السلاح والقبول مع بقية فصائل المعارضة بالسير في طريق الحوار الوطني البنَّاء والصريح والشفاف مع الحكومة السورية وبرعاية عربية ودولية حيادية، وأن لا تعتبر القبول بهذا الخيار هزيمة لها، لأن الذي هزم في بابا عمرو هو مشروع هدم الدولة السورية الذي تدعو وتعمل عليه القوى المعادية لسوريا والأمة العربية مستغلة حالة حراك شعبي مشروعة، وعندما تقبل المعارضة الوطنية السورية على طريق الحل السلمي في هذا الوقت بالذات فإنها حتما ستكبر في عيون السوريين لأنها بذلك ستظهر أنها فعلا حريصة على الدم السوري وعلى وحدة وقوة وطنها سوريا.
واذا كان هذا هو الموقف المطلوب من المعارضة الوطنية السورية، فإنه موقف مطلوب أيضا من القيادة السورية، بحيث لاتعتبر الأسلوب الأمني الذي أدى إلى دحر المسلحين وإخراجهم من بابا عمرو، طريق الحل الوحيد للخروج من الحالة التي تمر بها سوريا، بل إن المطلوب من هذه القيادة أن تتخذ من هذا الانتصار حجة على أن سعيها للحل السلمي ودعوتها للحوار الوطني الشامل لايعني ضعفا، وإنما دليل حرص وجدية على الإصلاح الذي خفت صوته مع تصاعد صوت قعقعة السلاح، وأن عليها كقيادة إدراك أن المسؤولية الأكبر في تهيئة أجواء ومناخات الحوار يقع عليها، ومن ثم على المعارضة الوطنية الرافضة لعسكرة تحركها وللتدخل الأجنبي. وبهذا التوجه فقط يمكن دحر مخطط التآمر على سوريا وفضح القوى الساعية إلى تدميرها، تلك القوى المعروفة بتاريخها الأسود تجاه أمتنا العربية، والتي لا تزال مخالبها تنهش في الجسد العربي، والتي تصوَّر نفسها على أنها ملائكة رحمة تمشي على الأرض من أجل البشرية وحقوق الإنسان، وما عداها هم شياطين ومصاصو دماء شعوبهم.
ومن المؤسف أن يجد هؤلاء من يعينهم من أبناء جلدتنا على تنفيذ أجندتهم سواء بوعي أو بدون وعي وخاصة بالتهييج الإعلامي الذي يعتمد في مصادره الخبرية على مواقع تواصل اجتماعية عبر الإنترنت وعبر فبركات لا تعكس إلا النوايا السيئة المبيتة.
إن على السوريين الشرفاء أن يعلموا أن أبناء أمتهم من المشرق إلى المغرب يكتوون بنار مايجري في سوريا وينتابهم القلق على مستقبل هذا الجزء العزيز من هذا الوطن الكبير وأن كل قطرة دم سورية تسقط تكوي الضمير العربي الحر وبنفس القدر يغيظهم ويثير غضبهم ما يلمسونه من كثافة هذا التحرك التآمري ضد سوريا، لذلك ترتفع أصواتهم مطالبين إياهم ـ السوريين ـ بأن يرتقوا إلى مستوى المسؤولية وأن يتنادوا إلى كلمة سواء بينهم تخرج وطنهم من هذا الوضع، ونجاحهم في هذا المسعى الوطني الكبير سيدلل على استحقاقهم كسوريين كونهم يشغلون مساحة قلب هذه الأمة المجيدة.