هل يمكن أن نرى الصومال دولة مختلفة عما هو عليه الآن؟ وهل يجب أن تتعرض مصالح دول بسبب الأوضاع غير المستقرة فيه لعقد مؤتمرات والبحث عن آليات تعيد إليه استقراره؟
طبعًا من الممكن أن يكون الصومال دولة ذات سيادة ومؤسسات وحكومة قوية وقوات جيش وأمن قوية ولا يتهدد سكانه مثلث الرعب "الفقر والجهل والمجاعة"، إذا كانت هناك إرادة دولية صادقة تتعامل مع قضايا الشعوب العادلة من منطلق المساواة وحماية حقوق الإنسان وتأمين الاستقرار والسلم الدوليين، بعيدًا عن سياسة الكيل بمكيالين أو البحث عن ما يؤمِّن المصالح فقط، أما أن يكون تعرض مصالح دول للتهديد هو المحرك والدافع نحو عقد المؤتمرات الدولية لبلورة ما يوقف مصادر التهديد فإن القضايا الإنسانية لا تزال بعيدة عن دائرة الاهتمام، بل إنها تتقاطع مع ما يخدم المصالح.
وأمس فرضت قضايا مثل الإرهاب والقرصنة نفسها على جدول أعمال المؤتمر الدولي حول الصومال الذي استضافته لندن وافتتحه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بعد جهود دبلوماسية قادها لعقد المؤتمر الذي اعتبر أن الصومال الذي يوصف بأنه "الدولة الأكثر فشلًا في العالم" يحتاج إلى "فرصة ثانية".
في الحقيقة أن الصومال لم يكن يحتاج إلى فرصة ثانية وثالثة، بل كانت تكفيه فرصة واحدة لو أن نيات المجتمع الدولي كانت صادقة منذ البداية تجاه ذلك البلد لانتشاله من دوامة الفشل، أو كان الصومال دولة غنية بمخزونات الطاقة من النفط والغاز والثروات الطبيعية، ولكنه ترك لمصيره وتم التخلي عنه فأصبح لا يتهدده مثلث "الفقر والجهل والمجاعة" فحسب، وإنما مثلثات لتتصدر قضيتان طالما مثلتا هاجسًا وقلقًا لدى الدول الكبرى ذات المصالح في المنطقة هما "الإرهاب والقرصنة"، ما يعني أنه لولا هاتان القضيتان لما تم التنادي لهذا المؤتمر.
كاميرون لخص الأسباب التي دفعته إلى قيادة الجهود الدبلوماسية لعقد هذا المؤتمر لوسائل إعلام بريطانية، وهي قلقه من أن يكون "شبان بريطانيون من أصل صومالي سممت أفكارهم" بفعل الدعاية العقائدية لمتمردي حركة الشباب الصومالية التي تشن حربًا ضد الحكومة الانتقالية الضعيفة في الصومال، وأن هذا التهديد "يستند إلى واقع أن الشباب انضموا علنًا إلى القاعدة وأنهم شجعوا الجهاد العنيف ليس فقط في الصومال، بل أيضًا خارجه"، وأن خطر هذا التهديد "يمكن أن يتصاعد ما لم يتم اتخاذ إجراءات هامة لتحقيق الاستقرار في الصومال.. وهناك حاجة ملحة لاستعادة النظام في الصومال لأن التهديد الأمني حقيقي وكبير"، وأنه إلى جانب أنشطة الميليشيات المسلحة في الصومال، فإن عمليات القرصنة قبالة السواحل الصومالية تمثل تهديدًا لمصالح بريطانيا في منطقة القرن الإفريقي.
لقد عانى الصومال منذ عقدين من ويلات حروب توالت عليه، سواء كانت بسبب الحروب الأهلية نتيجة التنافس على السيطرة على الموارد الطبيعية والمناطق الرعوية الغنية، وكذلك بسبب الحساسية المفرطة التي تطغى على مجتمعه العشائري، أو كانت بسبب الحروب الخارجية المفروضة عليه والتدخلات الأجنبية، كل ذلك إلى جانب التهميش من محيطه العربي والإقليمي والدولي جعل من الصومال دولة مقطعة الأوصال وفاشلة، حكوماتها المتعاقبة ضعيفة، لا مؤسسات ولا هياكل للدولة، مستباحة منتهكة السيادة، ولذلك نتمنى أن يكون هذا المؤتمر هو مؤتمر "الفرصة الثانية" التي ستنتشل ذلك البلد الممزق وإعادة بناء مؤسساته الخدمية من مستشفيات ومدارس وطرق واتصالات، وتأمين حاجة سكانه من غذاء ومصادر شرب نظيفة، وبناء مؤسساته العسكرية والأمنية من جيش وشرطة ومساعدته على المصالحة الوطنية الشاملة تمهيدًا لقيام حكومة وحدة وطنية قوية، خاصة وأن الصوماليين قد حققوا الخطوة الأولى نحو ذلك بالاتفاق على قيام جمعية تأسيسية تضع دستورًا مؤقتًا للصومال وإنشاء هيئة تشريعية تضم مجلسين أحدهما للنواب مكون من 225 ممثلًا، وآخر للأعيان يضم 54 من ممثلي الولايات الاتحادية والإدارات الإقليمية، فإذا ما سارت الجهود الدولية نحو تلك الأهداف وخلصت النيات فإنه ساعتئذ لن يكون الصومال بحاجة إلى مؤتمر "الفرصة الثالثة ولا الرابعة".