ما من يوم يمر على الأزمة السورية إلا وتزداد تعقيدًا، وذلك في ظل غياب الحل السياسي الحقيقي، يقابله تحركات أحادية أو مجتمعة لمراكمة المزيد من الضغوط على النظام السوري، فأصبح المشهد السوري يتصدر نشرات الأخبار لدى الفضائيات العربية وغير العربية، وأصبحت مقاطع الفيديو التي تبثها المواقع الإلكترونية التابعة للمعارضة السورية المسلحة مصدرًا وحيدًا لتغطية الأحداث من داخل سوريا.
وتبقى الأرقام ووقائع الأحداث منقولة من جانب واحد وهو جانب المعارضة المسلحة، لتعقبها بعد ذلك استضافات المحللين التابعين لهذه الفضائيات ولرموز المعارضة السورية المسلحة، ما يترتب على ذلك أن المتابعين الراغبين في معرفة حقيقة ما يجري على الأرض السورية يتولد لديهم حالة من التنازع بين العاطفة ومنطق العقل، فيفضي بهم الأمر إلى بناء موقف تجاه الأزمة اعتمادًا على وجهة نظر واحدة ورأي دون الرأي الآخر.
وهذا الأمر ينطبق تمامًا على التناول السياسي والدبلوماسي للأطراف العربية والغربية الرسمية، وذلك حين يتابع المواطن العربي والمواطن الغربي مجريات الأحداث في سوريا ويقف على قرارات جامعة الدول العربية ومجلس الأمن الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية، وتصريحات المسؤولين العرب والغربيين حيال الأزمة ومهاجمة النظام السوري، تتكوَّن لدى المتابع صورة عن الوضع السوري انطلاقًا من تلك المواقف والتصريحات دون أن يقف على وجهة النظر الرسمية السورية.
لا أحد ينكر أن هناك أزمة حقيقية داخل سوريا بدأها متظاهرون سوريون سلميون للتعبير عن مطالبهم المشروعة التي لا ينكرها أحد، لكن ما حدث هو أنه دخل وسط هؤلاء المتظاهرين من لديهم مشاريعهم الخاصة، ومن يحملون أجندات غربية، فتم تقسيم هؤلاء المتظاهرين السلميين، لتتسيد المشهد بعد ذلك التظاهرات المسلحة المطالبة بالتدخل الأجنبي العسكري الفوري، والإطاحة بالنظام بين عشية وضحاها، بدلًا من التظاهرات السلمية.. ولذلك فإن من حق النظام أن يرفض الوسائل غير المشروعة ويستخدم حقه في فرض القانون وحماية الشعب السوري، بالتزامن مع خطوات إصلاحية قام ويقوم بها كتغيير مواد الدستور ودعوة جميع مكونات الشعب السوري السياسية والاجتماعية لحكومة وحدة وطنية، لا سيما وأن الدستور أصبح تعدديًّا واختفت منه مادة الحكم القائم على الحزب الواحد..
ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: أي الطريقين أفضل لتغيير نظام الحكم؛ الطريق الشرعية والقانونية المتمثلة بصناديق الاقتراع، وبالتالي بقاء الوحدة الوطنية وسلامة سوريا من أي أخطار تؤدي إلى تفككها وتفتتها؟ أم الطريقة المضادة غير الشرعية القائمة على الوسائل العسكرية والتدخل الأجنبي، وبالتالي تمزق الدولة السورية، ووحدتها الوطنية وإثارة النعرات الطائفية فيها، وإشعال الحروب بين مختلف الطوائف والعرقيات، ومن ثم تحول سوريا إلى دولة فاشلة، لتتبع سوريا سابقاتها من الدول العربية؟
في تقديرنا أن الطريقة الشرعية والقانونية هي طريقة المعالجة المنطقية والعقلانية إذا كانت هناك نيات صادقة وحسنة، والوسيلة المضمونة لتحقق هذه الطريقة هي الحوار الوطني، وممارسة الضغط على المعارضة للجلوس على طاولته، بدلًا من تهيئة الأرضية لها لتواصل ممارساتها المسلحة وتصر على مواقفها المتعنتة، بتقديم الدعم المادي والسياسي والعسكري لها، فالمنطق يقول بأن هذا الدعم يجب أن يوظف لإنجاح الحوار، لا لإسقاط النظام.
والوسيلة الأخرى التي ينبغي أن تترافق مع الحوار هي امتناع وسائل الإعلام عن بث التحريض والدعايات المغلوطة والتهويل، ودغدغة العواطف، خاصة وأن المواطن العربي معروف عنه بأنه عاطفي، وأن تتبع الموضوعية والمهنية المنطلقة من الحرص الحقيقي والصادق على حقن الدم السوري ووحدة وسلامة واستقرار سوريا.