في أول رد فعل من قبل الحكومة السورية على تفجيري أمس الأول الجمعة اللذين استهدفا مقرين أمنيين بمدينة حلب شمال سوريا، وجهت وزارة الخارجية والمغتربين السورية رسائل إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس مجلس الأمن، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، والأمين العام لجامعة الدول العربية، ومجلس حقوق الإنسان في جينيف تتهم فيها مجموعات إرهابية بتنفيذ التفجيرين اللذين راح ضحيتهما 28 سوريًّا وإصابة 235 آخرين، واللذين ـ حسب الحكومة السورية ـ استهدفا المدنيين الأبرياء في منطقة سكنية قرب حديقة للأطفال ومؤسسة لتوزيع مواد غذائية ومقرات لقوات حفظ النظام.

إن هذين التفجيرين يكشفان بوضوح خروج الأوضاع عن سياقها العام القائم على مطالب شعبية مشروعة، والتحول إلى نمط آخر في طريقة المطالبة بالحقوق، وهو إلباس المظاهرات السلمية اللباس العسكري، ويمكن رصد هذا التحول منذ شهر مايو من العام الماضي تقريبًا حين سقط أول عنصر من القوات النظامية، ثم توالت بعد ذلك العمليات التي يقوم بها المنشقون الذين يطلقون على أنفسهم ما يسمى "الجيش السوري الحر" والمجموعات المسلحة التابعة للمعارضة، ضد المنشآت الرسمية والمقرات الأمنية وأفراد الجيش العربي السوري والقوات الأمنية.

في ظل تخندق معظم ـ إن لم نقل كل ـ القنوات الإعلامية العربية في خندق المعارضة في مواجهة النظام السوري، إضافة إلى القنوات الغربية، أصبح المشاهد العربي وغير العربي لا يرى إلا وجهًا واحدًا، ورأيًا واحدًا، وأقل من نصف الحقيقة، فيما غابت بقية أجزاء الحقيقة، وقد تلاحظ ذلك بصورة واضحة بعيْد وقوع التفجيرين، حيث تبنى ما يسمى "الجيش السوري الحر" العملية النوعية ضد المقرات الأمنية في مدينة حلب على الهواء مباشرة للقنوات الفضائية العربية والناطقة بالعربية التي تتيح مساحات كبيرة للمعارضة للحديث عن الأزمة، وحين تكشفت أعداد الضحايا الكبيرة في التفجيرين، رجع المتحدثون والناطقون من ما يسمى "الجيش السوري الحر" عن تبنيهم للعملية، مدعين إن ما قاموا به هو استهداف المقرات الأمنية بالرشاشات، وأن الذي قام باستهداف هذه المقرات بسيارتين مفخختين هو النظام نفسه، بينما منطق الأشياء وما يعِنُّ للعقل لأول وهلة هو كيف يمكن في تلك اللحظة نفسها للعناصر المتواجدة داخل المقرات الأمنية التي تستهدف بالرشاشات أن تفخخ هاتين السيارتين وتفجرهما لحظة المواجهة؟ وثانيًا لا أحد يتصور أن قوات وعناصر تابعة للنظام ـ الذي يريد أن يري مستهدفيه الحزم، وأنه لا يمكن لأحد أن ينال من هيبته وعزمه وسطوته ـ أن تقتل هذه القوات والعناصر نفسها بتلك الطريقة البشعة؟

إذًا في ظل عدم وضوح الرؤية حول حقيقة ما يجري واقتصار المشاهد على ما تنقله فضائيات لها توجهاتها وسياساتها الخاصة، تبقى الحقيقة غائبة ومغيبة، ولذلك فإن أي قطرة دم تسيل من أي طرف كان هي في المقام الأول سوريا، ومدانة، بل يجب أن تدان من قبل الجميع. وفي المقابل ثمة الكثير من الأنباء المؤكدة أن هناك تدفقًا غير محدود للأسلحة والمسلحين عبر الحدود، وقد أكدتها أكثر من مرة حكومات تشترك في الحدود مع سوريا.

إن الجميع متفقون على أن هناك أزمة سورية، ولكن حلها بالوسائل المسلحة التي تستهدف النظام ومقراته ومنشآت الدولة الرسمية، واللجوء إلى الحل العسكري، هو حكم بالانتحار والدمار، وإذا ما حدث فلن يقتصر على سوريا، بل سيكون زلزالًا يشمل المنطقة بأسرها، وهذا ما يمكن فهمه من تصريحات المؤيدين للنظام السوري على الأقل، وبالتالي لا نتمنى أن يصل الجميع والمنطقة إلى هذه النهاية، فيجب أن يعلو صوت العقل، وتسود حكمة الحل.