ما أن يتقدم الفلسطينيون خطوة باتجاه إنجاز ملف المصالحة الوطنية ولمِّ شعثهم، حتى ترى مواكب الإطفائيين الغربيين تتقاطر إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة وإلى الكيان الإسرائيلي المحتل الغاصب، وذلك للتخفيف مما يصيب قادة كيان الاحتلال من غيظ وحقد من الخطوة الفلسطينية، ومخاوف من أن يفلت من أيديهم زمام سيطرتهم على الشعب الفلسطيني وكامل مقدراته وأراضيه.

فالمحتلون الإسرائيليون يشعرون بوطأة اتفاق الدوحة الذي إذا صمم الفلسطينيون على إنجازه وتنفيذه بندًا بندًا، حرفًا حرفًا، خطوةً خطوةً، فإنهم سوف يحدثون اختراقًا كبيرًا في الجدران التي أقامها الاحتلال في وجه الشعب الفلسطيني، وهي في الحقيقة ليست جدران فصل عنصري مادية إسمنتية تلتهم الأرض وما أسفلها وما أعلاها من ثروات فحسب، وإنما يضاف إليها جدران غير مادية تترافق مع المادية، بحيث إن عملية الفصل لا تكون جغرافية فقط بل تشمل الصلات والأرحام والقرابة، وتفتيت الأسرة الواحدة وتمزيقها وبعثرة أفرادها، حتى لا تقم للفلسطينيين بعد ذلك قائمة.

وحين نجح المحتلون في بث روح الانقسام في الوسط الفلسطيني، فأصبح الشعب الفلسطيني مقسومًا إلى نصفين؛ الأول في الضفة الغربية، والثاني في قطاع غزة، وإيقاد جمرة الخلاف وإشعال نار العداوة بين أكبر فصيلين حركتي فتح وحماس، تمكَّنوا من إجراء تغيير كبير على الأرض والواقع فأطلقوا آلة استيطانهم لتقضم وتهضم وسط مرأى ومسمع العالم والقوى التي تتصارع الآن على المتاجرة بالدماء العربية تحت شعارات واهية، ولم يحرك أحد ساكنًا أو يقل لحكومات الاحتلال: كفى، أو يمارس عليها صادقًا ضغطًا من أجل إجبارها على الالتزام باستحقاقات السلام، بل كل ما هنالك هو تصريحات ووعود جوفاء خالية من أي مضامين حقيقية.

وحين وصل الشعب الفلسطيني وقيادته إلى قناعة بأن ما يجري الآن هو مسرحية هزلية تهدف إلى الإطاحة بالقضية الفلسطينية وتصفيتها، وأنهم باتوا قريبين من نهاية فصول هذه المسرحية، لم يكن أمامهم من خيار سوى العودة إلى ثوابتهم الوطنية وإعادة وحدة صفهم وموقفهم. ولكن كما هي عادة الإطفائيين الغربيين حلفاء الكيان الإسرائيلي المحتل ومشجعيه يتسابقون للوقوف إلى جانب هذا الكيان ليشكلوا مناجل لدحر أي خطوة فلسطينية، فها هو مبعوث اللجنة الرباعية الدولية لسلام الشرق الأوسط توني بلير يهب لنجدة حلفائه الإسرائيليين كما هبَّ لنجدتهم في الجمعية العامة للأمم المتحدة للالتفاف على الخطوة الفلسطينية بطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية، طارحًا مبادرة تتمحور أساسًا حول الأمن، فقد عرض بلير على الجانب الفلسطيني إجراءات تقضي "بالسماح بفتح عدد محدود من مكاتب الشرطة الفلسطينية في المناطق (ب)" التي تخضع بموجب اتفاق أوسلو لسيطرة أمنية فلسطينية ـ إسرائيلية مشتركة، مع إعطاء السلطات المدنية بشكل كامل للجانب الفلسطيني.

كما تنص على "تسهيل حرية الحركة للفلسطينيين في منطقة غور الأردن وتحديدًا على عدد من الحواجز العسكرية، ومنح خمسة تصاريح عمل إضافي للعمال الفلسطينيين داخل "إسرائيل" وتحويل مكان إقامة 2300 فلسطيني من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، ومنح 2500 حالة جمع شمل لعائلات فلسطينية أي أن يصبحوا حاملين لهويات إقامة فلسطينية دائمة في الأراضي الفلسطينية". وتتضمن هذه الرزمة أيضًا التي عرفت برزمة "بناء الثقة" والتي وصفها المسؤولون الفلسطينيون بـ"التافهة": "موافقة "إسرائيل" على استخدام البريد الفلسطيني عبر الأردن والسماح بتصدير منتجات النسيج والأثاث من قطاع غزة إلى الضفة الغربية والسماح بنقل خمسين مليون شيكل إلى البنوك في قطاع غزة".

وبالنظر إلى هذه الاقتراحات نجدها أنها بالفعل "تافهة" وهي رزمة "هز الثقة وهدمها"، لأنها تنطوي على تحايل واضح، حيث ابتعدت تمامًا عن المفاصل الحقيقية للخلاف حول استئناف المفاوضات وهي وجوب الاعتراف بحدود عام 1967م والاعتراف بالقدس الشرقية المحتلة عاصمة للدولة الفلسطينية ووقف الاستيطان. وبالتالي لم تنطلِ على الفلسطينيين هذه اللعبة الجديدة والخدعة الخبيثة لبلير الذي بات مكشوفًا هو ومبادراته واقتراحاته بأنها تنطوي على خبث لا هدف من ورائها سوى خدمة أسياده الإسرائيليين المحتلين.

ولذلك لا سبيل أمام الفلسطينيين في ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات واحتجاجات وانشغال أصحاب الموقف العربي الرسمي بإيجاد الوسائل الحقيقية التي تقوي تعاونهم مع القوى الغربية حيال تلك الاضطرابات، إلا التطبيق الكامل والتنفيذ الرصين لاتفاق الوحدة الأخير، وإنهاء ملف الانقسام بصورة نهائية ولا رجعة فيه، وتشكيل حكومة وفاق وطني والتمهيد لانتخابات حرة نزيهة تشترك فيها جميع الفصائل الفلسطينية، فهذا هو أبلغ رد في هذه المرحلة والمراحل القادمة.