ليس خافيًا أن هذا العالم تعيش أغلب بقاعه في صراعات واضطرابات هي ثمن فاتورة السياسات الهوجاء وغير العقلانية والتي لا تعترف بأسلوب الحوار والدبلوماسية الهادئة في القضاء على أسباب التوترات، وإنهاء بؤر الصراع، وضريبة الوهم بأن القوة المتمثلة في السلاح والمال والاقتصاد والذي لا يزال يطغى على سياسات قوى فاعلة على المسرح الدولي، فهذا الوهم ثبت فشله في أماكن عدة في جهات الأرض الأربع، وأنه حل غير قابل للتطبيق في ظل تغير موازين القوى ومعادلات التوازن، وتطور الفكر ووسائل الابتكار والإبداع والاختراع، وفي ظل التقدم العلمي في كافة المجالات الاقتصادية والأمنية والعسكرية والاجتماعية والتقنية والطب والعلوم والهندسة وغيرها، والذي أخذت تحرص عليه جميع الدول انطلاقًا من أنه القوة الحقيقية التي تجعلها تقف الند للند أمام من سبقها في هذا الاتجاه، والمعمورة تحفل بالكثير من الأمثلة على دول أخذت تسابق الزمن لتوظيف العلوم الحديثة والتقنيات المبتكرة في خدمة قضاياها القومية والوطنية، والدفاع عن مصالحها، واعتبرت منعها من اللحاق بركب التطور والتقدم أسوة بالآخرين انتهاكًا لسيادتها، وتدخلًا سافرًا في شؤونها الداخلية.
لقد أثبتت لغة الزعيق وقعقعة المدافع والصواريخ فشلها أمام الإرادات والصمود والمبادئ والقيم الأصيلة والثوابت الوطنية، وتقهقرت أمام عمليات الدفاع عن الحريات، فتراجعت تلك اللغة، لغة الغوغائيين والمهووسين بالقتل وإراقة الدماء وسلب الإرادات والحريات، لتعطي الحوار قصب السبق ويتربع على عرش العالم المتحضر الذي لا يعترف إلا بالحوار والدبلوماسية الهادئة الهادفة أسلوبًا أمثل في القيام بالدور الحقيقي، وإقامة أسس الحل المطلوبة، وفي الوقت نفسه يعترف بالطرف الآخر.
إن لغة الحوار هذه المفردة الجميلة في المبنى، القوية في المعنى، والممكِّنة من القبض بأذيال القضايا المستعصية منها وغير المستعصية، كانت ـ ولا تزال ـ حاضرة في النهج السياسي الحكيم الذي اختطه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ حيث ارتكزت سياسة السلطنة التي أرسى دعائمها جلالته ـ أيده الله ـ على مبادئ قويمة تقوم على التعاطي المتحضر والتعامل الإنساني والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واعتماد الحوار وسيلة في حل قضايا العالم في إطار حكيم يغلب لغة العقل والمنطق والحكمة، وبفضل هذه الأسس الراقية حظيت السلطنة بوضع مرموق وأعطاها المكانة التي تليق بها والتي سمحت لها أن تتبوأ دورها وتضع لنفسها موقعًا مميزًا على خارطة العالم السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياحية. ولم يفتأ حادي مسيرة نهضتنا المباركة ـ أبقاه الله ـ يشدد في كل مناسبة على هذه السياسة الحكيمة، ففي كلمته السامية (4/10/2010م) ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ يؤكد جلالته: "إن لعمان تاريخًا عريقًا ومبادئ راسخة منذ عصور مضت، وما قمنا به هو تأكيد تلكم المبادئ والتعبير عنها بلغة العصر، ومن المبادئ الراسخة لعُمان التعاون مع سائر الدول والشعوب على أساس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وعدم التدخل في شؤون الغير، وكذلك عدم القبول بتدخل ذلك الغير في شؤوننا". وفي كلمته السامية (31/10/2011م) يؤكد: "إننا نعيش في عالم يشهد تطورات متلاحقة على الصعيدين الإقليمي والدولي تحدث آثارًا متباينة وردود فعل متعارضة. ولما كان تداخل المصالح والسياسات سمة مميزة لهذا العالم فإنه لا يمكننا أن نكون بمعزل عما يدور حولنا. وقد عرفت السلطنة دائمًا بانتهاجها سياسة واضحة المعالم تقوم على أساس التعاون مع الجميع وفق مبادئ ثابتة تتمثل في الاحترام المتبادل وتشجيع لغة الحوار ونبذ العنف في معالجة الأمور وصولًا إلى مجتمعات يسودها التآخي والاستقرار مما يكفل للشعوب مواصلة مسيرتها التنموية وإنجاز أهدافها في التقدم والرخاء في مناخ يتسم بالأمن ويخلو من الاضطرابات، ويشجع على تنفيذ الخطط والبرامج الاقتصادية والاجتماعية، وفقًا للأولويات التي تقررها المصلحة العامة".
وفي تقديرنا إن تلك الكلمات هي أبلغ رسالة لمن أرأد أن يعرف السلطنة عن قرب، ومن أقاصي الدنيا.
وعلى أساس هذه المبادئ الراسخة اتخذت السلطنة، وتتخذ مواقفها من مختلف القضايا في النطاقات الإقليمية والقومية والدولية، وبفضلها ـ أي هذه السياسة ـ حظيت بلادنا بالتقدير والاحترام من قبل الدول والشعوب، المحبة للحرية والسلام في العالم، وحين تدعو السلطنة اليوم إلى التعاطي مع الأزمة السورية بهذا المنطق المتحضر والراقي والذي نوه إليه معالي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية يوسف بن علوي بن عبدالله في تصريحه لوكالة الأنباء الفرنسية أمس بقوله إن السلطنة "لا ترى وسيلة أخرى إلا وسيلة الحوار للوصول إلى حل" لهذه الأزمة، فإنها تنطلق في ذلك من حس قومي وإنساني يحرص على الدم السوري وعلى سلامة سوريا الشقيقة وسيادتها، وعلى مصلحة أمتنا العربية، ولأنها تدرك أن أي طريق آخر للتعاطي مع هذه الأزمة لن يجر سوى الخراب والدمار لسوريا أولًا وللعرب ثانيًا، والشواهد على الأرض العربية ماثلة، فهل من متعظ؟