للمرة الثانية استخدمت كل من روسيا والصين حق النقض "الفيتو" ضد مشروع قرار حول سوريا فقد استخدمتا أمس هذا الحق ضد مشروع قرار عربي ـ غربي يتبنى مبادرة جامعة الدول العربية حول الأزمة السورية، في حين صوت لصالح المشروع ثلاثة عشر عضوا من أعضاء مجلس الأمن.

واذا كان الاعتراض الروسي والتلويح باستخدام الفيتو متوقعًا، طالما أكد الروس رفضهم لأي مشروع قرار غير مقبول، واصفين هذا المشروع بأنه "فضيحة"، إلا أن ما لم يكن متوقعًا وجاء مفاجئًا هو الفيتو الصيني، حيث كان الصمت والدبلوماسية يغلفان مواقف الساسة الصينيين من مشروع القرار في ظل تسيد الاعتراضات الروسية على جميع المداولات والمشاورات التي كانت تهدف إلى تليين مواقف موسكو المتصلبة من أجل تمرير مشروع القرار.

وقبيل عرض مشروع القرار على مجلس الأمن للتصويت أكد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف "أنه من الممكن التوصل إلى إجماع حول قرار في مجلس الأمن الدولي يدين أعمال العنف في سوريا إذا تبنى الغربيون موقفًا بناء"، مضيفًا "إذا كان الغرب يريد فضيحة أخرى في مجلس الأمن فلن نستطيع إيقافهم"، موضحًا موقف بلاده أن "مشروع القرار لا يناسبنا أبدًا، وآمل ألا يطرح للتصويت"، معتبرًا مشروع القرار أنه "ليس ميؤوسًا منه"، إلا أنه بحاجة لتعديلات "حتى لا يبدو مجلس الأمن متحيزًا". غير أن الذي حصل أن هناك تصميمًا من قبل دول الغرب على التصويت لصالح مشروع القرار، كما أكد ذلك المندوب الفرنسي لدى الأمم المتحدة جيرار آرو الذي قال "نحن مصممون على التصويت اليوم (أمس) السبت".

أيًّا كانت مواقف الدول الغربية، وكذلك المواقف الروسية ـ الصينية من مشروع القرار، فإن هذه النهاية بإحباط مشروع القرار يجب أن تنظر إليها المعارضة السورية ليس على أنها معادية ومناكفة لها، بل إنه يمثل فرصة لتغليب الحلول المنطقية والعقلانية والالتقاء على قواسم وطنية مشتركة بين النظام والمعارضة بهدف إجراء حوار عقلاني وصريح وشفاف، بعيدًا عن المماحكات والتشنجات ولغات التخوين وكيل الاتهامات التي لا طائل من ورائها سوى تعقيد المواقف والأزمة، وزيادة الشحن ومفاقمة محنة الشعب السوري الذي يبحث عن حقوقه التي كانت قريبة من متناوله ـ ولا تزال ـ لولا التدخل الأجنبي السافر في الشؤون الداخلية لسوريا لا لهدف الحل، وإنما لتعقيد الأزمة وتعميق الهوة بين النظام والمعارضة، ودق إسفين في العلاقة بين النظام والشعب السوري، وللأسف هناك أدوات سورية في صفوف المعارضة، حيث تلعب قيادات المعارضة المرتبطة بالخارج دورًا خطيرًا في تكريس هذه الحالة، بحيث ـ كما هو واضح ـ يصعب ردم الهوة، ولذلك حرصت هذه القيادات على القفز على الحلول السياسية المبنية على الحوار الهادف البناء، إلى طلب الحلول العسكرية، واستعجال التدخل الأجنبي العسكري، ناسية أو متناسية أن التدخل الأجنبي العسكري له ضريبته الخاصة، وهذه الضريبة ليس في مقدور هذه القيادات أن تدفعها ثمنًا للتدخل سوى تسليم عنق سوريا، وبالتالي فإن التدخل الأجنبي ـ كما عودنا ـ ليس واردًا في عقيدته الاستعمارية أن يعيد الدولة سليمة قبل أن يدق عنقها، والشواهد على ذلك كثيرة وليس هناك أقرب إلى السوريين من العراق وما يعانيه الشعب العراقي، وكذلك ليبيا التي بدأت قيادات المعارضة التي قادت الثورة للإطاحة بالقذافي تتباكى على ليبيا، محذرة من أن مصيرها إلى "حفرة بلا قرار". ولذلك نشد على أيدي المعارضة السورية إذا كانت معارضة وطنية بحق كلمة ومعنى، أن تتنادى للحوار مع النظام الذي لا شك أنه حريص كل الحرص على إنجاح الحوار بناء على ما يطلبه المواطن السوري فهو أفضل سبيل لحفظ سوريا وسيادتها، وليس ما يحاك في الأليزيه والبيت الأبيض و10 داوننج ستريت.