لم يوح مشهد الحملات الدعائية التي شهدناها طوال الفترة الماضية أننا في موسم انتخابي, اذ تحولت المقرات والندوات من منابر لعرض البرامج الانتخابية الى ما يشبه غسالة كبيرة لغسل الذنوب وإزالة عارها, لذا تفنن نواب سابقون مرشحون حاليون في استخدام مساحيق التنظيف على أنواعها, وحاولوا جهدهم إزالة البقع السوداء التي لطخوا أثوابهم بها, ولكن دون جدوى.
 
اعتقد البعض أن بإمكانه إزالة آثار ما ارتكبه في حق الكويت وغسل ماضيه ببعض ندوات وتصريحات واعترافات متأخرة لكنه في ذلك أكد عدم صدقه مع ذاته ومع الناس, فذاكرة المواطن ليست قصيرة الى هذا الحد, ولن يستطيع اي مسحوق مسح ما علق فيها من مشاهد كارثية صنعها بدم بارد بعض النواب السابقين.
 
صحيح ان الكويتي يتمتع بفضيلة التسامح لكنه لا يقبل ان يرى كل ذاك الغسيل القذر ينشر على حبال مستقبله ومستقبل اولاده ويرضى ان يرتدي الثوب الذي اختاره له بعض المرشحين غاضاً الطرف عما فيه من شوائب.
 
نعم, ما فعله المرتكبون لا تزيله اقوى المساحيق, حتى جلد الذات الذي مارسه هؤلاء لن يجعل تاريخهم أبيض, لانهم زينوا خطاياهم على أنها عمل وطني كبير يمهد الطريق لبناء كويت المستقبل, فيما كانت أشبه بحصان طروادة لتحقيق اهداف خاصة لكن حين وضعوا في مواجهة الحقيقة ورأوا الناس تنفض من حولهم عمدوا الى بدعة الغسل للتكفير عن ذنوبهم في مشهد كوميدي أسود يثير الضحك حتى البكاء ويدل على قصر نظر من حاولوا طوال الاسابيع الماضية تبييض صفحاتهم على امل ان تمحو الذاكرة الشعبية المشاهد المأسوية العالقة في الاذهان, ويمنحهم المواطن صك براءة بإعادة انتخابهم.
 
هؤلاء الذين صوروا البلد في يوم من الأيام وكر فساد ومغارة لصوص, وما تركوا تهمة إلا وألصقوها بالكثير ممن خالفهم الرأي او حاول تطبيق القانون وعلى رأس هؤلاء سمو رئيس الوزراء السابق الشيخ ناصر المحمد الذي وجهوا إليه أبشع انواع التهم وأقاموا مجالس العزاء في كل الساحات التي تيسرت لهم في حملة تدليس لم يسبق لها مثيل, ها هم يتراجعون عن كل ذلك في عملية إعادة تموضع مشبوهة, فلا من اتهموه أثبتوا تهمهم ضده ولا هم قالوا للناس أين هتكت حرمة الدستور الذي رفعوه شعارا على أسنة رماح خصومتهم, بل لجأوا الى حفلة الغسيل هذه وباتوا على استعداد للتبرؤ حتى من ألسنتهم إذا رأوا في ذلك ما يبعد عنهم شرب كأس الخروج من نعيم مجلس الامة والعودة الى صفوف الناس الذين استخدموهم وقودا لنار مصالحهم.
 
القضية, إذاً, ليست قضية تبرئة ذمم وغسل ذنوب قد لا يمحوها حتى الأسيد انما هي في أثار ما ارتكبه هؤلاء في حق الكويت وشعبها, فهل مجرد اعلان البراءة من المواقف السابقة يكفي لنسيانها? وماذا عما علق بالناس الذين تعدوا عليهم, من يزيل عنهم تلك الاتهامات الزائفة? ومن يتحمل تكلفة فاتورة التخريب والعرقلة للتنمية والاقتصاد, وحتى محاولة شق الوحدة الوطنية?
 
مهما قال من ارتكب كل تلك الآثام في حملاته وندواته وتصريحاته لن يستطيع غسل يديه من دم جرائمه, وعليه ان يدرك ان الذاكرة الوطنية ليست ممحاة, فحتى إذا تناسى البشر افعال اولئك لبعض الوقت, فإن الوطن والتاريخ لا ينسيان.