يبدو أن حالة التعجل التي يبديها العرب والمعارضة السورية مدفوعين من قبل الغرب تجاه تدويل الوضع في سوريا، أصبحت هي الطاغية على المشهد السياسي بأكمله، في وقت تشهد فيه الساحة السورية مواجهات عنيفة بين قوات الجيش والأمن السورية وبين المسلحين والمنشقين الذين ينضوون تحت ما يسمى "الجيش السوري الحر"، حسب وسائل الإعلام.
هذا التعجل غير المحسوب، بالتأكيد سوف تكون له نتائجه الوخيمة ليس على المدى البعيد، وإنما على المدى القريب والقريب جدًّا، ما يهدد استقرار المنطقة التي تعاني أساسًا من داء الاضطرابات والقلاقل وعدم الاستقرار بعد ولوغ القوى الغربية ذات الطابع الاستعماري القديم ـ الحديث في المنطقة بصورة كبيرة. وولوغ هذه القوى الاستعمارية يقوم على مسارين؛ الأول البحث والسيطرة على كافة مصادر الطاقة والموارد التي تقوم عليها صناعاتها وتعتمد عليها اقتصاداتها، والعمل على تأمين ذلك بمختلف الوسائل الممكنة ويأتي في طليعتها التدخل العسكري والسياسي، وبناء علاقات بين الأنظمة والتيارات المعارضة بحيث تحكم سيطرتها على البلاد العربية وثرواتها عبر سياسة منافقة وملعونة تقوم على تحريض طرف ضد طرف على شاكلة "فرق تسد"، والأمثلة في دول الوطن العربي كثيرة، حتى تلك الدول العربية التي لا توجد بها تيارات معارضة للنظام، يبدأ المستعمر بتدخلاته لبناء تيارات معارضة بهدف إحكام قبضته عليها. أما المسار الثاني فهو زرع الكيان الإسرائيلي خنجرًا في خاصرة الوطن العربي، ومن ثم العمل على تمكينه في المنطقة بشتى وسائل الدعم السياسي والعسكري والمالي ليكون مقدمة الرمح لحماية المصالح الغربية ـ كما يتصور ويزعم المستعمرون الجدد ـ. هذان المساران هما الداءان اللذان أصابا دول المنطقة في مقتل، وللأسف ما ساعد ـ ولا يزال يساعد ـ المستعمرين الجدد هو تحول بعض العرب إلى أدوات تنفيذية لمخططات هؤلاء المستعمرين الجدد وتحقيق مشاريعهم، ويأتي اليوم العراق وليبيا على رأس الدول العربية التي أصابها هذان الداءان، والحال أبلغ وأصدق من أن يوصف بالكلمات، فالصور الواردة من هذين البلدين العربيين اللذين بلغ فيهما هذان الداءان مبلغًا، تقدم تبصرة لأولئك الذين أعموا أبصارهم وبصيرتهم وأصموا آذانهم وطبعوا على قلوبهم وعقولهم عن رؤية حقائق الأشياء.
الأدوات التي جلبت هذين الداءين للعراق وليبيا هي ذاتها اليوم تعمل بصورة لا يتخيلها عقل من السرعة والتعجل لحقن سوريا بهما، فأصبح الصوت الرشيد وصوت العقل والحق معدومًا، بل غير مطلوب، فالمصنِّعون للداءين قد حزموا أمتعتهم ووصلوا إلى نيويورك حيث مجلس الأمن لوضع اللمسات الأخيرة على ذلك.
ولذلك قوبلت محاولة موسكو لفرملة هذا الاندفاع غير المحسوب الذي يجر الجميع نحو الهاوية ببلورة آلية للحوار بهدف جمع أطراف الأزمة السورية؛ النظام والمعارضة على طاولة الحوار، قوبلت بالرفض من جانب المعارضة السورية رغم ترحيب الحكومة السورية بهذا المسعى الروسي الطيب. طبعًا كل الدواعي والأسباب أصبحت معروفة وواضحة لماذا هذه المعارضة، ولماذا التمسك بأحد بنود ما يسمى بالمبادرة العربية والذي يطالب بتنحي الرئيس بشار الأسد، ما دام المال والسلاح يتدفقان بدون حسيب ولا رقيب، وعمليات القتل والاستهدافات التي يقوم بها المسلحون المنشقون والجماعات المعارضة المسلحة مستمرة ضد المدنيين والقوات النظامية، لإنهاك قوات النظام. إن رفض المعارضة للحوار وإصرارها على التدخل الدولي، مدعومة عربيًّا وغربيًّا نحو ذلك، مع استمرار العمليات المسلحة للمنشقين والمسلحين، يعني أن كل الأقنعة قد سقطت، وأن ما يسمى بالثورة السورية قد خرجت من سلميتها بل وشرعيتها أيضًا.