إذا كان من المعروف على نطاق واسع أن دولة إسرائيل هي من أكثر الدول، إن لم تكن أكثرها، انتهاكًا لقواعد القانون الدولي، وارتكابًا أيضًا للعديد من الجرائم التي تتعارض مع الأعراف والقوانين ومبادئ التعامل الدولي، فإنه من المعروف كذلك أنها – أي إسرائيل – هي أكثر الدول هروبًا من الخضوع لأحكام القانون، حيث إنها تحظى بحماية أمريكية بوجه خاص، وغربية بوجه عام، ضد أية إدانات قد تتعرض لها في الأمم المتحدة، أو في غيرها من المنظمات الدولية.
وإدراكًا من حكومات إسرائيل لذلك، فإنها لا تتورع عن ارتكاب أية انتهاكات ومخالفات لمبادئ القانون الدولي ولمسؤولياتها كقوة احتلال للأراضي الفلسطينية والعربية التي تحتلها منذ عام 1967. وما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية، وفي قطاع غزة المحاصر منذ سنوات، يشير بوضوح إلى أن المجتمع الدولي يقف مكتوف الأيدي أمام جرائمها ضد الإنسانية، وحتى عندما يصدر قرارًا يطالب فيه بإزالة السور العازل الذي ينتهك القانون وحق الفلسطينيين، فإنها لا تستمع إليه، بل تصر على الاستمرار فيه، وكأن المجتمع الدولي لا يعنيها.
ومع الوضع في الاعتبار أن اسرائيل ارتكبت جرائم حرب عندما شنت غاراتها على قطاع غزة في ديسمبر 2008 ويناير 2009 والتي سميت بالرصاص المصبوب، حيث إنها قصفت مواقع المدنيين العزل من ناحية، واستخدمت قذائف المدفعية التي يدخل في تصنيعها مادة الفوسفور الأبيض شديدة الاشتعال من ناحية ثانية، ومع ذلك فإنها لم تتعرض للإدانة القوية أو الصريحة من الأمم المتحدة، فإنه يبدو أنها تعد لهجوم آخر على قطاع غزة وأنها تنوي استخدام قذائف الفوسفور الأبيض مرة أخرى، وهو ما أشارت إليه صحف إسرائيلية في الأيام الأخيرة. وإذا صحت تلك الأنباء، أو أقدمت إسرائيل على ارتكاب هذه الحماقة وهذا الانتهاك الصارخ للقانون الدولي، فإنه من المهم والضروري أن يسعى المجتمع الدولي كله للوقوف في وجهها، ولإدانة ممارساتها البشعة التي تنال من أبناء الشعب الفلسطيني العزل، وتحول حياتهم إلى جحيم متصل.
ومع أنه يمكن افتراض أن ما أشارت إليه بعض الصحف الإسرائيلية، بهذا الخصوص، هو نوع من الحرب النفسية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، فإن الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، سواء المتمثلة في اعتقال رئيس وبعض أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، أو في تشجيع المستوطنين الإسرائيليين على الاعتداء على الفلسطينيين وممتلكاتهم، ودور عباداتهم، من شأنها أن تزيد التوتر في الأراضي الفلسطينية، وأن تضع الهدوء الراهن أمام احتمالات انتهائه بشكل أو بآخر. وحتى إذا كانت إسرائيل تعمل كل ما بوسعها من أجل عرقلة المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس، إلا أن الأمر في النهاية سيعود إلى فتح وحماس، فيما يتعلق بتحقيق المصالحة على الأرض واستمراريتها، لأن مناورات ومحاولات إسرائيل لم ولن تتوقف، ولأن المصالحة في حد وذاتها هي إحدى أهم الأسلحة في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية ضد الحقوق والممتلكات الفلسطينية.