في الشأن الفلسطيني هناك ما لا يبعث على الحيرة فحسب، بل على اليأس المشوب بالغضب من طريقة التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية وفي موازاة المواقف الفلسطينية الإيجابية الداعمة والمشجعة على إرساء مناخات الثقة المطلوبة للمضي قدمًا في البحث الجاد عن مخرج حقيقي لتسوية الصراع وتحقيق السلام.

فالفلسطينيون دائمًا ما يجددون التزامهم بعملية سلام جادة وحقيقية تقود إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف على حدود عام 1967، وكذلك الالتزام بالعملية السلمية والاستعداد للشروع في المفاوضات فور التزام الجانب الإسرائيلي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود عام 67، ووقف كافة الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية، خاصة في مدينة القدس المحتلة. إلا أن ما يندى له الجبين أن هذه المواقف الإيجابية والأيادي الفلسطينية الممدودة على الدوام لم تجد في المقابل من يعيرها أدنى اهتمام، ومن يمد يده لها، بل كل ما هنالك عزوف وصدود عن كل ما يحمل هوية أو طابعًا فلسطينيًّا، فغدَا ضمير القوى الغربية المناصرة والممالئة لكيان الاحتلال الإسرائيلي متبلدًا، لا تهزه ولا تحركه كل تلك المواقف المشجعة والإيجابية للقيادة الفلسطينية، إذ لايزال الرئيس الفلسطيني محمود عباس يرفض أي انتفاضة ثالثة ولا مقاومة مسلحة، بل ويصر على خيار التفاوض والتفاوض فقط، مما جعل ـ كما يبدو ـ قادة الاحتلال الإسرائيلي وحلفاءه يطمئنون إلى ذلك، وبالتالي أدى إلى حالة واضحة من عدم الاهتمام بكل ما يتعلق بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، بل إن ذلك أيضًا أدى إلى استغلال الكيان الإسرائيلي لحالة الاطمئنان في التمادي في تهميش الجانب الفلسطيني وعدم الاعتراف به من جهة، وإعطاء قادة الاحتلال الفرص المفتوحة والكافية لترويج الدعايات المغلوطة والأكاذيب وتصوير الوضع القائم على أنه في متناول اليد من جهة أخرى، فها هو رئيس الكيان الإسرائيلي شيمون بيريز وأمام المنتدى الاقتصادي العالمي الثاني والأربعين في دافوس مستغلًّا فرصة الحضور الجماهيري والإعلامي للادعاء بأن الحل بات في متناول اليد، وأنه من الأفضل على العكس أن تبقى الدول الكبرى بعيدة وتترك الطرفين يتوصلان إلى إجراء مفاوضات مباشرة، وأن الفجوة بين الطرفين تقلصت بشكل كبير وأنه لا الفلسطينيين ولا الإسرائيليين لديهم بديل جدي عن صنع السلام، مشتِّتًا الانتباه مبرِّئًا الاحتلال والاستيطان من كل الموبقات، محاولًا التصوير بأن أزمة المنطقة وصراعاتها ليست بسبب الاحتلال الإسرائيلي وإنما بسبب الفقر، وذلك حين زعم بأن "إعادة رسم الخارطة السياسية للشرق الأوسط قد تكون مشجعة "لإسرائيل" إذا ما توصلت الأنظمة الجديدة التي ستنبثق من "الربيع العربي" إلى مواجهة تحدي الفقر"، و"أن المشكلة الحقيقية في العالم العربي هي الفقر لا السياسة. إني على قناعة من أنه إذا عاش العالم العربي ظروفًا أفضل، فإنه سيكون "لإسرائيل" الكثير من الفرص للعيش بسلام".

لا أحد يلوم بيريز ولا نتنياهو من أن يذهبا إلى حصر الاحتلال في قضية بعيدة تمامًا عن الواقع، ما دام الموقف العربي الراهن أصبح مشغولًا بقضايا تعمق الجراح والأزمات، ولذلك لا نستغرب أن يقدم المفاوض الإسرائيلي فيما سميت بـ"المفاوضات الاستكشافية" حول موضوعي الحدود والأمن تصورًا لأرض من الكانتونات محاطة بأسوار مع الحفاظ على معظم المستوطنات، وبالتالي قتل حل الدولتين وتنحية الاتفاقيات السابقة والقانون الدولي.

بتقديرنا أن الكيان الإسرائيلي سيستمر في مشاريعه الساعية إلى تصفية القضية الفلسطينية في ظل خيار فلسطيني قائم على التفاوض فقط، وفي ظل موقف عربي يعد مشاريع قرارات مدمرة في اتجاهات أخرى في المنطقة، متناسيًا ـ أو على الأقل مهمشا ـ قضية العرب الأولى.