فاق العراقيون أمس على هجوم جديد حصد حوالي واحد وتسعين عراقيًّا بين قتيل وجريح، نصف القتلى على الأقل من رجال الشرطة، وذلك حين استهدف انفجار سيارة مفخخة جنازة في حي الزعفرانية جنوب شرق العاصمة العراقية بغداد.

إن هذا التفجير ليس الأول ولا الثاني منذ سحب الولايات المتحدة آخر جنودها من العراق، ولن يكون الأخير ـ في تقديرنا ـ في ظل المماحكات السياسية وحالة التنافس التي كشفها الانسحاب الأميركي الذي أزال الغطاء عن صراع سياسي تقف خلفه دوافع طائفية في المقام الأول، هذا الصراع بدأت أولى حلقاته بالانكشاف بقيام القضاء العراقي بإصدار مذكرة اعتقال بحق طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية وحراسه على خلفية ما قال إنها قضايا تتعلق بقضايا "إرهابية" نفاها الهاشمي واصفًا إياها بأنها مجرد مزاعم تخفي وراءها أجندات سياسية يقودها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي يحكم قبضته على الملف الأمني لإزاحة خصومه الذين يرى فيهم مشاريع منافسة له في إزاحته عن السلطة.

وثانية حلقات هذا الصراع هي تقديم المالكي مذكرة بسحب الثقة من نائبه صالح المطلك على خلفية اتهامات وجهها الأخير لرئيس الوزراء بأنه ديكتاتور يتجاهل تقاسم السلطة ويسيطر على قوات الأمن وشن حملات اعتقال بحق مئات الأشخاص خلال الأسابيع الماضية، ما جعل قائمة العراقية أحد أطراف حكومة المالكي والتي يعد الهاشمي والمطلك من قياداتها، ترد بمقاطعة جلسات البرلمان وتعليق مشاركتها في الحكومة متهمة المالكي بتسييس القضاء والانفراد بالسلطة.

إن هذا الصراع أصبح هو الصورة السائدة على المشهد العراقي بكامل تفاصيله، وإذا ما استمر فمن شأنه أن يشحذ رماح الطائفية والمذهبية ويجعلها تستطيل لتنحر المجتمع العراقي من الوريد إلى الوريد بصورة يومية، ما يعيد العراق إلى المربع الأول في سنوات الغزو الأنجلو ـ أميركي، حيث كانت الهوية الطائفية (سنية، شيعية) هي العنوان الأبرز الذي تندرج تحته بقية العناوين: القتل والاعتقال، الاستئثار بالسلطة، المناصب أو ما يسمى المحاصصة الطائفية، نزعة الفدرلة، لترهق الشعب العراقي وتقضي على وسائله البسيطة لكي يواصل حياته اليومية ويستطيع أن يوفر لقمة عيش كريمة لأفراد أسرته، فهذا الشعب لم يصدق أنه قد تخلص من الاحتلال الذي أعمل فيه كل صنوف الفتك والقتل والتشريد مارسها تحت شعارات زائفة "الحرية والديمقراطية وحماية حقوق الإنسان"، فإذا بالمواطن العراقي يستيقظ كل يوم على صوت انفجار سيارة مفخخة أو قنبلة مزروعة على الطريق أو قنبلة لاصقة أسفل مقعد السائق، أو صوت رصاص مسلحين يقتحمون منازل الآمنين ليردوهم قتلى بدم بارد، وكل هذا يحدث للأسف بسبب هؤلاء الساسة العراقيين الذين كانوا مع الاحتلال يدًا بيد.

إن الشعب العراقي يمنِّي النفس بأن يرى حالًا أفضل من حال التي عليها أثناء الاحتلال، إلا أن التجاذبات السياسية والطائفية للأسف تشي بأن هذا الشعب محكوم عليه بأن يظل سنوات أخرى حتى يتمكن من استعادة حريته وأمنه ولقمة عيشه، فهذه الزوابع السياسية التي أثارتها الحكومة العراقية في وقت ينبغي أن تتوفر فيه الظروف الضامنة لعدم دخول العراق إلى أي منزلقات سياسية أو أمنية، لا تبشر برؤية الضوء في نهاية النفق، وأن الصورة الحالية هي التي سيبقى عليها العراق، ما لم تتوفر إرادة سياسية وروح وطنية مسؤولة لدى كافة المكونات وخاصة قادة الكتل السياسية.