لم يساورنا شك في أن ما سميت بـ"المحادثات الاستكشافية" التي استضافتها العاصمة الأردنية عمَّان أن تسفر دون تحقيق أي تقدم يذكر بعد ستة اجتماعات سوى الاستهلاك الإعلامي والبروجاندة التي عادة تحاط بمثل هذه اللقاءات، ذلك أن الكيان الإسرائيلي يعد مثل هذه اللقاءات والمحادثات لعبته التي يجيدها، فهو يعرف متى يريد مطها وإطالة أمدها، ومتى يرغب في تقصيرها، وكل ذلك حسب ظروف قواعد اللعبة التي أحد جوانبها يشمل التيئيس وإثارة مشاعر الإحباط، لأنه قد خبر تمامًا الطرف الذي يقف أمامه وهو الطرف العربي قبل الفلسطيني، ويعرف أنهم أعجز من أن يفعلوا شيئًا إجرائيًّا ولو معنويًّا، لأن "ربيعهم العربي" الذي اختاره لهم إياه الغرب اسما لـ"ثوراتهم" وأصبحوا يتفاخرون به ولا يفارق ألسنتهم، قد شغلهم عن قضيتهم المركزية، فهم الآن منكبون على وضع الخطط والتفكير في وضع المبادرات ومشاريع القرارات التي تطيح بأنظمتهم وتبعثر دولهم وتضرب وحدتها الوطنية واستقرارها، وبالتالي أصبح الكيان الإسرائيلي الغاصب ينتظر منهم أن يقدموا له على أطباق من الألماس والذهب والفضة ثمار مبادراتهم ومشاريع قراراتهم. 

مسؤولون فلسطينيون مطلعون على المحادثات أكدوا أن المحتلين الإسرائيليين "لم يقدموا شيئًا جديدًا في هذه الاجتماعات ـ التي كان آخرها أمس الأول ـ، غير رفض وقف الاستيطان، وأنهم (أي الفلسطينيين) سوف يتجهون الآن إلى تقييم الخيارات المتاحة لهم ويشاورون أشقاءهم في جامعة الدول العربية في الرابع من فبراير".

ومعنى ذلك أن الفلسطينيين قد رضخوا للمطالب الأميركية ـ الأوروبية بعدم إعلان البدائل في السادس والعشرين من يناير الذي وافق يوم أمس وهو آخر موعد للرد على مبادرة اللجنة الرباعية الدولية في موضوعي الأمن والحدود، وإلى الآن لم يقدِّم الإسرائيليون ردًّا واضحًا، بل ردودًا هلامية، في حين أن نص المبادرة أن يقدِّم كل من الفلسطينيين والإسرائيليين ردًّا مكتوبًا، وبينما التزم الجانب الفلسطيني بالاتفاق وأوفى به، حيث قدم رؤيته البيِّنة عن الأمن والحدود، لا يزال الجانب الإسرائيلي يماطل ويراوغ ويستخف بالعرب والفلسطينيين ويتدلل لحلفائه الغربيين لا سيما أعضاء اللجنة الرباعية التي من المفترض أن تقدم على خطوات عملية لإجباره على الالتزام بما ورد في مبادرتها طالما أنه اعترف بها وقبلها، فالجانب الإسرائيلي لم يقدِّم إلى الآن ما هو مطلوب، فلا يزال يصر على استمرار الاستيطان وعدم الاعتراف بحدود عام 1967، وعدم الإفراج عن المعتقلين وتخفيف القيود في الضفة الغربية؛ أي أن خطوات بناء الثقة وأساسيات استئناف المفاوضات مرفوضة إسرائيليًّا. 
 
حسب مصادر فلسطينية، يعتزم الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي أبدى عقب لقائه العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في عمَّان استعداده للعودة للمفاوضات في حال اعتراف "الحكومة الإسرائيلية" بحدود الدولة الفلسطينية، إلقاء خطاب الأسبوع القادم يعلن فيه "موت" المفاوضات بشكل كامل مع الجانب الإسرائيلي بعد فشل اللقاءات "الاستكشافية" وصعوبة التوصل إلى أي حل في ظل وجود حكومة يمينية متطرفة بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته المتطرف أفيجدور ليبرمان، وتواطؤ واشنطن وتخاذل الأوروبيين عن لجم سياسة الكيان الإسرائيلي في التوسع الاستيطاني والانتهاكات اليومية بالضفة الغربية والتي كان آخرها اعتقال نواب المجلس التشريعي بمن فيهم رئيس المجلس عزيز دويك. فعباس ـ حسب المصادر ـ يريد وضع العالم بأسره أمام حقائق أبرزها مستقبل ومصير السلطة الفلسطينية في حال مواصلة الكيان الإسرائيلي سياسته أحادية الجانب وضربه بعرض الحائط كافة المواثيق والاتفاقيات والأعراف الدولية. 
 
واضح أن الرئيس عباس وسلطته في وضع لا يحسدان عليه، فيضاف إلى مصيبة تنمر المحتل الإسرائيلي وتمرده، مصيبتان؛ الأولى وضع الفلسطينيين ثقتهم الكاملة في الولايات المتحدة وأوروبا، والمصيبة الثانية هي أن الموقف العربي الفاعل والمؤثر شبه غائب عن القضية الفلسطينية، فلا يوجد هناك موقف عربي مساند، وبات الفلسطينيون في حلبة الصراع وحدهم، لأن كما قلنا آنفًا العرب منكبون بجني أزهار "ربيعهم" التي يبدو لا أحد يشم رائحتها الزكية سوى الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه الذين يعملون ليل نهار من أجل تمكينه، على تعبيد كل الطرق المؤدية إلى دول المنطقة.. فهل يفعلها عباس الأسبوع المقبل؟