لقد عانى الصومال منذ سنوات طويلة من ويلات حروب توالت عليه، سواء كانت بسبب الحروب الأهلية نتيجة التنافس على السيطرة على الموارد الطبيعية والمناطق الرعوية الغنية، وكذلك الحساسية المفرطة التي تطغى على المجتمع العشائري، أو كانت بسبب الحروب الخارجية المفروضة عليه والتدخلات الأجنبية، كل ذلك إلى جانب التهميش من محيطه العربي والإقليمي والدولي جعل من الصومال دولة مقطعة الأوصال وفاشلة، حكوماتها المتعاقبة ضعيفة، لا مؤسسات ولا هياكل للدولة، مستباحة منتهكة السيادة، ولعل الوجود العسكري الكيني والأثيوبي الآن أبرز العلامات على ذلك، فأصبحت الأراضي الصومالية مرتعًا لتنظيم القاعدة وللحركات المسلحة، ورمزًا للقرصنة، وبات شعبها واقعًا بين فكي كماشة القوات الأجنبية وبين الحركات المسلحة في مقدمتها حركة الشباب المجاهدين.
وإذا كان تحلل الصومال كدولة جانبًا مظلمًا، فإن الجانب الأشد إظلامًا وظلمًا هو أضلاع مثلث الرعب المتمثلة في "الفقر والجوع والمرض"، التي غرزت أنيابها بصورة واضحة في أجساد الأطفال والنساء والرجال، ساعد على ذلك الحرب الأهلية التي لا تزال تدور رحاها، ما أدى إلى تعطيل الزراعة وتوزيع الغذاء.
وتحت شعار "المياه من أجل الحياة" تعقد منظمة التعاون الإسلامي مؤتمرها الثاني حول المياه في الصومال في جيبوتي اليوم الخميس، بهدف تنسيق الجهود لانطلاق العمل في مشروع توفير المياه. ويعد هذا المؤتمر امتدادًا لمؤتمر القاهرة الأول الذي عقد في أكتوبر الماضي، بهدف متابعة حفر أكثر من 650 بئرًا للمياه تشمل جميع مناطق الصومال التي تعاني من جفاف انعكست آثاره سلبًا على المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية.
وعلى الرغم من تحذير وكالات الإغاثة الدولية من أن منطقة القرن الإفريقي وفي مقدمتها الصومال تتعرض لأسوأ أزمة غذائية في العالم وذلك بسبب سنوات الجفاف المتواصلة، الأمر الذي أدى إلى توقف الزراعة، وبالتالي موت الآلاف وتشرد الملايين وهجرتهم للبحث عن الطعام، فإن عدم إعارة هؤلاء الجوعى الذين يهدد الموت نصف سكان الصومال يبقى وصمة عار في جبين المجتمع الدولي وفي مقدمه جامعة الدول العربية، ووصمة عار في جبين الإنسانية، فالصومال يمثل مثالًا صارخًا لمدى ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الدولية والعربية، ففي الوقت الذي يتخذ فيه دعاة حماية حقوق الإنسان هذه الحقوق شعارًا لسياساتهم وسيفًا مسلطًا على رقاب من ينتهكها، هم أول من يتخلون عن هذه القضية الإنسانية، بل إنهم شركاء في جريمة القتل الجماعية هذه، فبدل أن يوظفوا أموالهم وأقواتهم التي ترمى في البحار والقمامة لإنقاذ تلك الملايين في القرن الإفريقي، للأسف يوظفونها للتحريض وإثارة القلاقل في بلدان تبحث عن استقرارها.
الحقيقة المؤلمة أن الصومال يعد من أوليات حالات الفشل العربي في معالجة القضايا العربية، يمتد عمرها حوالي عشرين سنة، وخلال هذه الفترة ينتقل ذلك البلد من سيء إلى أسوأ، ولم تحرك جامعة الدول العربية ساكنًا، وبينما يفترض بها أن تعمل على استقراره، تسببت في زعزعة استقرار دول عربية، وتمهد لدول عربية أخرى.
إن مثل هذه القضايا الإنسانية هي التي تكشف زيف ما ينادي به الغرب من حقوق الإنسان وحماية المدنيين والديمقراطية وحرية التعبير، وأنه ما هو إلا متاجرة بالبشر وبدمائهم وثرواتهم ولإحداث الدمار والخراب. فها هو صندوق الأمم المتحدة للطفولة يقول إن المجاعة تؤدي إلى زيادة معدل الوفيات إلى أكثر من شخصين بين كل عشرة آلاف نسمة يوميًّا ويزيد المعدل على 30 في المئة في صفوف الأطفال الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات، حيث يعاني طفل من كل ثلاثة أطفال من سوء التغذية. وها هي منظمة أوكسفام تتهم حكومات أوروبية بالإهمال المتعمد في توفير الأموال لتلبية الاحتياجات الإنسانية، وها هي وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تقول إن بلادها لا تستطيع أن تعالج وحدها الأزمة. لكن في تقديرنا تستطيع بكل سهولة ويسر تدمير الدول المستقرة والآمنة وضرب وحدتها والتحريض ضدها.
اليوم تبحث منظمة التعاون الإسلامي الوضع المائي في الصومال، ولكن أن تأتي متأخرًا خير من أن لا تأتي أبدًا، غير أن المطلوب أن يترافق بحث الوضع المائي مع البحث لوضع حد للحرب وإرساء دعائم الأمن والاستقرار، فالأمن ضروري كالماء لحياة المواطن الصومالي.