تجيء مبادرة جلالة الملك عبدالله الثاني بانشاء وقفيتين لدراسة فكر الامامين الغزالي والرازي اللتين قدمتا هدية للامة الاسلامية احتفاء بالذكرى الخمسين لميلاد جلالته، تأكيدا على مكانة العلم في وجدان الهاشميين وفكرهم بعامة، وعلى الدور الريادي للاردن في رعاية المقدسات الاسلامية في مدينة القدس، وبخاصة المسجد الاقصى المبارك.

ومن هنا، فتخصيص الوقفيتين، الاولى لدراسة فكر الامام الغزالي، وربطها بالقدس والاقصى.. يؤشر على مكانة اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين في ضمير الهاشميين، وجهادهم الموصول لانقاذها وحمايتها، وسهرهم الدائب للعناية بالاقصى وقبة الصخرة المشرفة، وتأسيس مؤسسة تشرف على إعمارها والعناية بهما ليبقيا شوكة في عيون الاحتلال.

لقد خصصت هذه الوقفية لدراسة التراث العلمي للامام الغزالي ونصت على تقديم منح للطلاب الذين يدرسون في ذلك الكرسي في المسجد الاقصى، وجامعة القدس، وتبلغ قيمة الوقفية مليوني دينار، ويشرف على الوقفية ثلاثة مجالس: اولها مجلس امناء، ومجلس للكرسي بالاضافة الى المتولي العام للاوقاف في المملكة وهو مجلس الاوقاف الاعلى وستتم كتابة الوقفية وتوثيقها على لوح رخامي مثبت في رواق المسجد الاقصى المبارك.

ان اهمية هذه الوقفية علاوة على ما ذكرنا، أنها الاولى من نوعها من الاوقاف التعليمية الشاملة الموقوفة على الاقصى، وفيها من الدلالات الواضحة على مكانة القدس في وجدان الهاشميين وفكرهم بعامة، وعناية جلالة الملك بالمقدسات وحرصه الاكيد على حمايتها وانقاذها من الدنس الصهيوني.

وفي هذا الصدد، فلا بد من الاشارة الى ان اختيار اسم الامام الغزالي له علاقة بالاقصى.. حيث انه سكن بيت المقدس واعتكف في الاقصى، وكان يدرس في المسجد وفيها وضع كتابه القيم “احياء علوم الدين” وهو مشهور بالوسطية والاعتدال، ومن هنا يجيء اهتمام جلالة الملك بهذا العالم، وتخليده بانشاء وقفية باسمه كونه يجسد نهج الاردن المعتدل، ورفضه للعنف والتطرف.. وهو ما تمثله رسالة عمان التي لقيت الترحيب من العالم كله.. لانها اشَّرت بجلاء ووضوح الى جوهر الاسلام الصحيح القائم على الحوار والكلمة الطيبة، (وجادلهم بالتي هي احسن).

مجمل القول: ان انشاء وقفيتين ملكيتين لتدريس فكر الامامين الغزالي والرازي في المسجد الاقصى ومسجد الحسين، هو اثراء للفكر الاسلامي، واحتضان للباحثين، ويؤسس لانطلاقة علمية وروحية وبخاصة في المسجد الاقصى، تهدف الى إعمار هذا المسجد بالعلماء والطلاب.. ليعود منارة لامته في الوقت الذي يعمل العدو الصهيوني على محاصرته واطفاء نوره، ما يؤكد ان القدس ستبقى في عيون الهاشميين وان الاقصى في وجدانهم وقلوبهم حتى يعود الى امته محررا عزيزا.. وحينها يفرح المؤمنون بنصر الله.

“فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض”. صدق الله العظيم.