في أول جلسة لمجلس الشعب المصري منذ حله عقب الثورة الشعبية التي أدت إلى تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك، انتخب أعضاء المجلس بعد أدائهم القسم سعد الكتاتني أمين عام حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين رئيسًا للمجلس الذي فاز بأغلبية 399 صوتًا.
يعد هذا المجلس ليس الأول بعد سقوط النظام المصري السابق فحسب، وإنما هو أول مجلس يتشكل وفق انتخابات حرة نزيهة وإرادة شعبية، أتاحت للشعب المصري بكافة أطيافه ومكوناته أن يعبر بحرية ويضع ثقته في من يراه أهلًا لأن يقود مصر في هذه المرحلة والمراحل القادمة، فقد كانت مشاعر البهجة والارتياح بادية على تعبيرات وردات فعل جميع مكونات المجتمع المصري الذين يراهنون على أن هذا المجلس سوف ينقل بلادهم إلى آفاق رحبة من العمل الديمقراطي وحرية التعبير، والوقوف مع الحكومة المصرية جنبًا إلى جنب من أجل بناء مصر سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وانتشالها من أتون التراجع الاقتصادي وتراجع الحالة المعيشية للشعب المصري، وتعميق المفاهيم والمشاعر الوطنية، وبناء علاقة حميمية بين كافة مكونات المجتمع المصري بمسلميه وأقباطه، بما يحفظ وحدة مصر ويجنبها مخاطر التدخل الخارجي ويؤمِّن استقرارها.
صحيح أن دور مجلس الشعب المحدد لم يتضح بعد، وذلك في ظل القبضة التي يحكمها المجلس العسكري على السلطة التي تسلمها بعد تنحي مبارك، إلا أن سيطرة التيار الإسلامي على مجلس الشعب بحوالي ثلاثة أرباع المقاعد، بعد أول انتخابات حرة تجرى في مصر على ثلاث مراحل ما بين نوفمبر 2011م ومطلع يناير الجاري، تكشف بوضوح حجم الفساد والظلم والاستعباد والقهر وغياب مظاهر العدالة الاجتماعية، وتحول المجتمع المصري إلى مجتمع مكون من طبقتين؛ الأولى طبقة النظام القابض على السلطة والمتحكم بثروات ومصادر الدخل في الدولة، وتوزُّع هذه الثروة بين أركانه وأزلامه، والثانية هي الطبقة الفقيرة المطحونة التي تعاني كل يوم العنت والمشقة وشظف العيش، أفرادها يبحثون عن لقمة عيش كريمة، وعن مأوى يمنع عنهم ألم الحر والبرد، فنشأ نتيجة ذلك ما يعرف بالعشوائيات، فوصل الفقر إلى ما دون مستوياته، فقد ضاق الشعب المصري ذرعًا من حياة يطغى عليها الفساد، التزوير والحرمان ومصادرة الحريات أبرز أوجهها البغيضة لتبقى رموز الظلم والفساد والاستعباد والتحكم بعيش المواطنين المصريين هي ذاتها في دورات ودورات جديدة متتالية، ما دفع هؤلاء المواطنين إلى من يعتقدون أنه إذا لم يحقق لهم مطالبهم فلن يظلمهم، فرأوا في التيار الإسلامي خير ملاذ لهم، للخلاص من عقدة الماضي ونسيان آلامه وجراحه، ولذلك لا غرو أن يتجمع أمام مجلس الشعب أمس مئات أنصار التيار الإخواني لتحية النواب أثناء دخولهم البرلمان، في مشهد لم يكن من الممكن تخيله قبل عام عندما كانت معظم الأحزاب والتيارات محظورة، وترمى قياداتها وكوادرها في مراكز الاعتقال.
المصريون حين خرجوا في الخامس والعشرين من يناير الماضي رافضين ممارسات النظام السابق، مطالبين بالمساواة والعدالة والديمقراطية وحرية التعبير وتحسين المستوى المعيشي، كانت هناك أسباب حقيقية دفعتهم لذلك، وها هم اليوم يتقدمون مرحلة نحو ما خرجوا من أجله، وإن كانت تبقى خياراتهم ودوافعهم على المحك.
إن مصر وشعبها يستحقان هذا الإنجاز الديمقراطي والكثير من أجل تحقيق ما يصبون إليه، ونتمنى أن يتحقق لهم ذلك بما يجعل أم الدنيا التاريخ والحضارة الحاضن الحقيقي والركن الركين لأمتها العربية، ما دامت أرض الكنانة هي صاحبة الدور الوازن في المنطقة.