وضع مجلس جامعة الدول العربية في ختام اجتماعه في القاهرة أمس (مبادرة) لحل الأزمة السورية، ومن بين بنود هذه المبادرة "دعوة الحكومة السورية وكافة أطياف المعارضة إلى بدء حوار سياسي جاد تحت رعاية جامعة الدول العربية في أجل لا يتجاوز أسبوعين، للوصول إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية خلال شهرين تشارك فيها السلطة والمعارضة برئاسة شخصية متفق عليها تكون مهمتها تطبيق بنود خطة جامعة الدول العربية والإعداد لانتخابات برلمانية ورئاسية تعددية حرة بموجب قانون ينص على اجراءاتها باشراف عربي ودولي.

ومن مهمتها أيضا إجراء انتخابات لجمعية تأسيسية خلال 3 أشهر تتولى إعداد مشروع دستور جديد يتم إقراره عبر استفتاء شعبي وإعداد قانون انتخابات على أساس الدستور، على أن تنجز هذه المهام بحد أقصى خلال 6 أشهر، وبعد ذلك تجرى انتخابات رئاسية. وتفويض الرئيس السوري صلاحيات كاملة لنائبه الأول للقيام بالتعاون التام مع حكومة الوفاق الوطني لتمكينها من أداء واجباتها في المرحلة الانتقالية.

لقد كان مطلوبا من جامعة الدول العربية مبادرة ما تمثل مخرجًا ملائمًا للأزمة السورية ولترتيب الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية ووقف نزيف الدماء المستمر الذي لا يريد أن يتوقف، إلا أن بعض ما ماجاء في مبادرة الجامعة الجديدة ليس بجديد،وبعضه الآخر يخرج عن الحيادية المطلوبة، فالحكومة السورية قد دعت جميع الأطراف السورية بما فيها المعارضة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، ودعت إلى حوار وطني يفضي إلى الوصول إلى شراكة بين الطرفين، كما أنها أنجزت شوطا كبيرا في تعديل الدستور الذي غيرت مواده ليكون تعدديا،وهي أعلنت أن الدستور الجديد سوف يطرح للاستفتاء، وأنها بصدد اجراء انتخابات عامة خلال ثلاثة أشهر من الآن ، أي أن الحكومة السورية قد سبقت الجامعة في هذا الشأن، ولذلك وحتى تكتسب المصداقية، من المناسب أن تكون هذه المبادرة مكملة أو مساندة للمبادرة السورية والخطوات الاصلاحية التي تقوم بها.

ويتمثل اسنادها في الآتي: أولا: ممارسة ضغوط حقيقية على أطراف المعارضة السورية للجلوس مع الحكومة على طاولة واحدة من أجل الحوار، والعمل على بناء الثقة والابتعاد عن لغة التخوين والتشكيك وإساءة الظن، فالمصلحة يجب أن تكون مشتركة وهي حفظ وحدة سوريا، ولذلك فإن دور الجامعة في هذه المرحلة مهم جدا كخطوة أولى.

ثانيا: التخلي عن أي حسابات خاطئة أو معالجات غير محسوبة النتائج من قبل المعارضة، وأن تمارس جامعة الدول العربية مع المعارضة القدر ذاته من الضغوط الذي تمارسه مع النظام، وأن تكبح جماح المعارضة ووقفها عن استخدام السلاح واستهداف القوات من الأمن والجيش، ومنعها من الاندفاع غير المحسوب بالمطالبة بتدويل الأزمة والتدخل الأجنبي. فالدعوة إلى إنهاء المظاهر المسلحة يجب أن يقوم بها كل من النظام والمعارضة معا، فلا يصح أن يطلب من قوات النظام بينما المعارضة وأذرعها المسلحة والمندسون يستمرون في شن الهجمات، وتستمر معها عمليات تهريب السلاح، وإلا فإنه في هذه الحالة سيؤخذ الأمر على أن هناك مؤامرة تستهدف النظام، وبالتالي حين يتم إنهاء المظاهر المسلحة من الجميع فلا داعي حينئذ من وجود قوات عربية أو دولية أو مشتركة لمتابعة التنفيذ، وإلا فإنه هو الآخر سيحمل على أنه مقدمة لتدخل عسكري أجنبي، مما سيفاقم الأوضاع ويعقد الأزمة.

ثالثا: منع عمليات الاستفزاز من قبل جميع الأطراف، ومنع الإعلام من ترويج الشائعات والدعايات المغلوطة، على النحو الذي رأيناه تجاه المراقبين العرب، الذي تشن ضدهم حملة إعلامية مغرضة مقصود منها تشويه عملهم، وقد كان واضحًا الإعلام المنحاز إلى صف المعارضة والمضاد للنظام السوري، فغياب الموضوعية والحيادية في نقل المشاهد وترويج الدعايات المغلوطة والمشوهة عن المراقبين الذين تم تمديد عملهم، بات ملاحظًا بصورة فجة وفاضحة من قبل معظم الإعلام العربي بالدرجة الأولى، وفي اعتقادنا أن هذا التشويه والدعايات الكاذبة ليس لها هدف سوى التأثير على عمل المراقبين ودفعهم إلى الخروج عن الحيادية والموضوعية، لمصلحة المعارضة وضد النظام، وبالتالي تعقيد الأزمة ومفاقمة الوضع، ولعل إعلان ما يسمى المجلس الوطني السوري عن نيته إيفاد بعثة إلى مجلس الأمن لمطالبته بالتدخل لا يخرج عن ذلك السياق والنحو الذي ذكرناه، فضلًا عن تحقير عمل جامعة الدول العربية وإهانة مراقبيها وأعضائها.