الكيان الإسرائيلي الذي يُعدُّ الإرهاب مهنته التي يتقنها والفن الذي لا يفوقه فيه أحد، عوَّدنا أنه لا يمارس هذه المهنة بكثرة إلا إذا كان هناك ما يزعجه ويقض مضجعه، ويمنعه من تنفيذ مخططاته ومشاريعه العنصرية والمدمرة والمشردة للشعب الفلسطيني.

وحين يُقْدِم الكيان الإسرائيلي الغاصب على تكثيف إرهابه مُطْلقًا صواريخه وقذائفه، مستهدِفًا ما يزيد على مليون ونصف المليون فلسطيني في بقعة جغرافية ضيقة (قطاع غزة) ويطبق عليها كماشة حصاره الظالم، ويمنع عن الأطفال والنساء والمسنين الطعام والكهرباء ويلوث الماء، وعن المرضى الدواء، وحين يعتقل رئيس المجلس التشريعي عزيز الدويك، ونواب المجلس، ويهدد بمحاصرة الرئيس الفلسطيني محمود عباس داخل المقاطعة برام الله المحتلة، ويمنع تحويل أموال السلطة من الضرائب، فإنه حين يُقدِم على ذلك، فيعني أن ثمة شيئًا كبيرًا يسبب له صداعًا مزمنًا.

ولا شيء اليوم أكبر مما يقلق ويزعج المحتلين الإسرائيليين من المصالحة الفلسطينية التي يرى فيها فشلًا ذريعًا لجهود ظل يرتب لها مع حلفائه الأميركيين وتحديدًا إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش "الصغير"، من أجل تفتيت الوحدة الوطنية الفلسطينية وبث بذور التفرقة، حيث استطاع عبر مساعدة أدوات فلسطينية ـ للأسف ـ أن يحدث شرخًا وجرحًا غائرًا في الوحدة الوطنية الفلسطينية، فقسم الشعب الفلسطيني إلى قسمين في بقعتين جغرافيتين.

أتاح هذا الانقسام للاحتلال الإسرائيلي لأن يتوحش ويتنمر ويلتهم بطريقة ممنهجة ومنظمة الأرض الفلسطينية ويعزلها إلى كانتونات مفصولة ومتباعدة، مُبْتغيًا من وراء ذلك ألا تقوم للفلسطينيين بعد ذلك قائمة، فليس واردًا في أبجديات الكيان الإسرائيلي المحتل ولا في برامجه السياسية دولة فلسطينية ذات سيادة متصلة جغرافيًّا، ولا حتى واردًا في مختلف برامجه السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية أن هناك طرفًا آخر اغتصبت حقوقه وانتهكت محارمه وأعراضه، ينتظر شيئًا من هذه الحقوق واحترامًا لها، ولذلك كان واضحًا المحتل الإسرائيلي في طريقة تعامله أن لا اعتراف بدولة فلسطينية ولا بقدس شرقية عاصمة لها، ولا اعتراف بحدود عام 1967.

ولذلك فإن المصالحة الفلسطينية في نظر المحتل الإسرائيلي خط أحمر لا ينبغي لأي أحد تجاوزه، فإذا ما أراد عباس تجاوزه فسجن المقاطعة جاهز لينال المصير ذاته لرفيق الدرب والنضال الشهيد الرئيس الراحل ياسر عرفات، فكل مسؤول فلسطيني قد أعدت نهايته وطريقة التخلص منه، إما بالسم أو الاغتيال أو النفي أو الاعتقال والحكم بالسجن المؤبد.

الدويك في رسالة سربها محاميه من سجنه في معسكر "عوفر" أكد أن الهدف من اعتقاله هو إفشال المصالحة الفلسطينية التي كان هو أحد القائمين عليها، ولمنع عقد جلسة للمجلس التشريعي المعطل منذ أكثر من أربع سنوات، والتي كان من المتوقع إجراؤها بداية فبراير المقبل. يأتي ذلك وسط أنباء عن أن الرئيس عباس نفسه يفكر في مغادرة رام الله المحتلة وإدارة السلطة من الخارج حتى لا يلقى مصير الراحل ياسر عرفات.

إذًا المصالحة الفلسطينية هي الدواء الناجع لمعضلة القضية الفلسطينية، والعلاج المضمون لإيقاف حالة التدهور التي يشهدها الجسد الفلسطيني والذي يعطيه القدرة على مواجهة العربدة الإسرائيلية، وهو العلاج الناجع الذي يمنع سرطان الاستيطان ويوقف انتشار خلاياه داخل الجسد الفلسطيني، ولذلك نشد على أيدي الفلسطينيين أن يسارعوا في إتمام تصنيع هذا العلاج على وجه السرعة لتتعافى القضية الفلسطينية بأكملها.