بعد ثالث اجتماع من الاجتماعات التي أطلق عليها "الاستكشافية"، يخرج الفلسطينيون منه وقد سادت وجوههم حالة من الوجوم والتشاؤم، مؤكدين أن "الهوة عميقة جدًّا".

لقد بات الفلسطينيون اليوم مقتنعين بصورة أكبر ولا تقبل الجدل أنهم لن يجدوا الشريك الإسرائيلي الجاد والمستعد لأن يقدم (تنازلات) حقيقية لصنع السلام، وأن هذا الشريك الحقيقي لم يولد بعد، فهم يتعاملون مع أشباح، فكلما دخلوا في اجتماع أو مفاوضات خرجوا منها خالي الوفاض يجرون أذيال الخيبة.

ولذلك يمكن القول إن المسؤولين الفلسطينيين في وضع لا يحسدون عليه، وأضحوا محصورين بين أمرين ضاغطين، الأول التزامهم مع شعبهم الذي ينتظر منهم أن يستردوا شيئًا ولو بسيطًا من حقوقه المسلوبة في جولة من الجولات التي يقومون بها، فإذا بهم يقعون في كل جولة ضحية غش وخداع ووعود كاذبة جوفاء، بينما على الجانب الآخر العدو الإسرائيلي المحتل يسرق وينهب أرضهم ويقتل أبناءهم تحت مرأى ومسمع الجميع، ويقف هؤلاء المسؤولون الفلسطينيون عاجزين عن فعل شيء. أما الأمر الآخر فهو الضغوط الكبيرة التي تنهال عليهم وعلى رئيسهم محمود عباس من أجل مواصلة المحادثات الجارية برعاية أردنية مع الكيان الإسرائيلي وعدم وقفها مع نهاية الشهر الجاري، ومصدر هذه الضغوط الإدارة الأميركية ودول أوروبية (في مقدمتها فرنسا) إلى جانب أخرى عربية، لثنيهم عن طرح بدائل للمحادثات مع الكيان الإسرائيلي في الـ26 من يناير الجاري وفق ما أعلنوه مسبقًا، وبالتالي أصبح مطلوبًا من الرئيس عباس أن يواصل محادثاته مع الأشباح الإسرائيلية حتى الثالث من مارس المقبل. وهنا نلاحظ مدى الازدواجية وخلل موازين السياسة، حيث ترجح كفة الجلاد على كفة الضحية، والذي يتنصل من كل التزاماته ويرفض إلى الآن أن يقدم شيئًا ملموسًا أو مكتوبًا حول الحدود والأمن وفق ما طالبت به اللجنة الرباعية الدولية، وما يؤكد هذا الخلل السياسي وحالة النفاق وعدم الجدية، مطالبة الإدارة الأميركية حليفها الكيان الإسرائيلي باعتبار الاجتماع الأول من الاجتماعات "الاستكشافية" الذي عقد بين الجانبين في عمَّان قبل نحو أسبوعين هو بداية مهلة الأشهر الثلاثة لتقديم الرؤية الإسرائيلية حول الأمن والحدود، فيما مطلوب من عباس الاستمرار في المحادثات.

إن ما يجري من تقهقر وتراجع في ملف القضية المركزية للعرب اليوم، وما يمارس على الجانب الفلسطيني من ضغوط هائلة وتكبيل لحركته، سواء نحو إتمام المصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني، أو عدم الخروج عن الإرادة الأميركية وإرادة بعض الدول العربية التي يبدو أنها طرف مساند للسياسة الأميركية المنحازة للجانب الإسرائيلي، هو نتيجة مباشرة لما يسمى "الربيع العربي"، حيث بداية امتلأت الأجواء فرحًا ونشوة بأن هذا الربيع سوف تصل تباشيره إلى الأشقاء الفلسطينيين الذين هم أيضًا لم يخفوا فرحهم وأملهم بأن أشقاءهم ذوي الربيع أصبحت بيدهم مفاتيح الحل لقضيتهم، ولكن على ما يبدو ـ حتى الآن على الأقل ـ أصبح موضوع الإطاحة بالنظام السوري يحتل الأولوية لدى العرب، بمن فيهم أصحاب هذا الربيع، وفي مقدمة جدول أعمال تحركاتهم السياسية بدلًا من القضية الفلسطينية.

ولذلك وبينما كان هناك "مبارك" واحد يدير الملف الفلسطيني ويرعى انقسامه بما يمكِّن العدو الإسرائيلي من الانقضاض على الحق الفلسطيني، أصبح اليوم هناك أكثر من "مبارك"، إنها حقًّا مأساة.