في الحقيقة إن الأزمة السورية إذا لم تتوفر الحلول السياسية بصورة سريعة لإنهائها، فإنها مرشحة لمزيد من التعقيد قد تتعذر حينئذ أي معالجة سياسية في ظل تعقيدات تشهدها الأزمة أساسًا إقليمية ودولية.
الأزمة السورية كشفت بجلاء أن قضايانا وأزماتنا نحن العرب إذا لم تكن صناعة غربية مئة في المئة، فإن حالة الاستعداد والرغبة في إضافة الصبغة الأجنبية وفتح بوابات دولنا أمام التدخل الأجنبي تبقى حالة قوية للأسف، وهذه الحالة لم تجر علينا سوى الويلات والدمار والحروب والخراب، فكما هو معروف ويدركه الصغير والكبير، والمثقف وغير المثقف، السياسي وغير السياسي، أنه لا يمكن أن يكون هناك تدخل أجنبي نزيه أو محايد؛ لأن الأجنبي الذي يقوم اليوم بالتدخل تحت شعارات زائفة تتخذ من القيم والمعاني الإنسانية وسيلة لخدمة مشاريعه وأجنداته، هو ذاته المستعمر القديم الذي مزَّق وحدتنا وقسَّم دولنا وزرع بذور الفتنة بيننا، فكيف به اليوم أن يكون مناصرًا لنا، ومدافعًا عن حقوقنا، وراغبًا في حل مشاكلنا وأزماتنا وهو مخلب القط فيها، وأكبر دليل على ذلك القضية الفلسطينية التي تجاوز عمرها الستين عامًا، فهو لا يزال يمارس سياسة النفاق والممالأة للمحتل الإسرائيلي وينتصر له ضد الحق الفلسطيني، ورأينا كيف جيَّشَ الجيوش ورفع المناجل لنحر الطلب الفلسطيني في الأمم المتحدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية وقبولها عضوًا في المنظمة الدولية. ولا نعتقد اليوم أنه يتحمس للتدخل في الشأن السوري إلا بما يخدم أجنداته ويمكِّن الكيان الإسرائيلي الغاصب.
لذلك كل التمنيات أن ترتفع الإرادة والرغبة في الحل عند السوريين؛ حكومة ومعارضة إلى مستوى المسؤولية الوطنية والابتعاد عن لغة التخوين وكيل الاتهامات؛ لأن المنتفع من كل ذلك هو ذلك العدو الذي يقف على الحدود ينتظر اللحظة الحاسمة والمناسبة ليمزق سوريا الدولة والشعب والأرض والمجتمع، ليزرع فيها ما زرعه في العراق من بذور الطائفية البغيظة، وبالتالي ما جاء في خطاب الرئيس السوري بشار الأسد يوم الثلاثاء الماضي يمكن وصفه بأنه خارطة طريق للخروج من دائرة الأزمة.
فقد أكد أن سوريا مقبلة على تغييرات تشمل حكومة موسعة وقوى سياسية جديدة، تاركًا الباب مفتوحًا لجميع السوريين للمشاركة، فالدستور الذي يتم الآن مراجعة مواده وتعديلها هو دستور تعددي يتيح حق التنافس في سباق الانتخابات القادمة لكافة السوريين بجميع أطيافهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية، لقد أصبح الحزب الواحد الحاكم من الماضي، لذا لا بد من إعطاء خطوات الإصلاح الحالية الفرصة الكافية.
إن الاختباء وراء الدعاية الأجنبية المعادية لخطوات الإصلاح والتغيير التي تقوم بها الحكومة السورية الآن لا يعني سوى عدم الرغبة في حل الأزمة وحقن دماء الأبرياء، وبالتالي المزيد من التحريض وخلط الأوراق والتشويش على ما تقوم به الحكومة السورية من إصلاحات.
ونتيجة لهذا التمترس والرفض جاءت عملية استهداف الوفد الإعلامي الأجنبي والمدنيين السوريين في حمص بقذائف الهاون والتي أدت إلى مقتل تسعة بينهم صحفي فرنسي، لتصب مزيدًا من الزيت على النار؛ لأن الهدف من هذه العملية هو زيادة التحريض ومفاقمة الوضع، ولإعطاء المتربصين المزيد من الذرائع وإجبارهم على التدخل عنوة، يترافق مع ذلك، الحملة المحمومة ضد المراقبين العرب وتشويه دورهم ووصم مهمتهم بالفاشلة، إذ لا يعقل أن يُقدِم النظام السوري على استهداف صحفيين أجانب تحديدًا وهو يعلم أنه مستهدف وأن ردة الفعل لن تكون سهلة، في وقت يبحث فيه عن تهدئة للأوضاع وحل للأزمة.
نكرر دعوتنا للأشقاء السوريين (حكومة ومعارضة) أن يرأفوا ببلادهم، ويجنبوها الدمار والخراب والتمزق، فهم الوحيدون القادرون على ذلك، وليسوا بحاجة إلى من يسوق إليهم الدلائل والبراهين على خطر التدخل الأجنبي.