انتشرت موجة من التفاؤل المشروع في العراق والعالم العربي والاسلامي بعد انسحاب القوات الاميركية رسميا من العراق الأسبوع الماضي، بعد تواجد احتلالي وهيمنة استمرت لثماني سنوات. وقد كان دافع التفاؤل هو اعادة السيادة على العراق الى أبنائه والتخلص من كل بقايا التدخل الاميركي، ولكن وبكل اسف تحول هذا التفاؤل خلال أيام قليلة الى تشاؤم وقلق شديدين.
كان السبب الأول في تبدل المزاج العام في العراق هي الأزمة السياسية غير المبررة التي انفجرت من خلال قرار توقيف نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي، والتضييق على مجموعة من القيادات السياسية في العراق وخاصة قائمة “العراقية”. ثم جاء السبب الثاني الذي تمثل في عودة مفجعة للعنف والتفجيرات والتي حصدت أمس عشرات القتلى والجرحى في بغداد.
التصريحات التي صدرت عن بعض القيادات العراقية في الأيام الماضية لم تكن على مستوى عال من المسؤولية الوطنية وأثارت قلقا شديدا على مستقبل التوافق الوطني والذي يعتبر محورا رئيسيا في تعزيز بناء دولة المؤسسات والاستقرار السياسي في العراق بعد سنوات من الفوضى والعنف. وبدا وكأن هذه التصريحات هي دعوة الى مربع التفرقة والتقسيم الاجتماعي والسماح بتدخل من جهات خارجية أخرى في الشأن العراقي حتى بعد انسحاب القوات الأميركية.
تواجه القيادات السياسية الوطنية في العراق تحديا كبيرا في تدارك الأزمة السياسية والأمنية المتنامية في البلاد، ولا بد للغة التعقل والتواصل والحرص على الوحدة الوطنية في العراق أن تعلو فوق اية أجندات خارجية لا تريد الخير للعراق وشعبه وتطمح الى فرض هيمنة سياسية من نوع جديد على الدولة العراقية.
هنالك حالة من عدم الثقة تتنامى بين عدة فئات في المشهد السياسي العراقي وارتباطاته الداخلية والخارجية، وهنالك محاولات واضحة من قبل جهات خارجية لاستثمار فراغ النفوذ الذي تركه الخروج الاميركي وهذا ما يمثل مفترق طرق حقيقيا في مستقبل العراق فإما التوافق الوطني الذي يسمح لأبناء العراق جميعا بقيادة الدولة ومشاركة السلطة بعدالة وانصاف وإما السماح بالتدخل الخارجي الذي سيزيد الأمور سوءا.
في الانتخابات العراقية عام 2010 حدثت مفارقات عديدة أدت الى الأزمة الحالية وأهمها أن التيار الذي حصل على الاغلبية لم يتمكن من تشكيل الحكومة بسبب بعض التفاصيل الادارية التي منعت تحقيق الأغلبية النيابية، بينما تم تشكيل الحكومة من ائتلاف أضيق وذي تمثيل اقل للرأي العام العراقي والذي بدوره لم يتمكن من النجاح في تنفيذ اتفاقيات اقتسام السلطة والتي كان يمكن في حال تنفيذها أن تشكل صمام أمان وطني لادارة العراق.
أمام القادة السياسيين في العراق مسؤولية عظيمة لضمان توافق وطني يؤدي الى استقلال تام وديمقراطية حقيقية في العراق تمثل كافة الفئات السياسية بطريقة عادلة، وتساهم في منع العنف والارهاب وحماية المجتمع العراقي من التداعيات الكارثية لثنائية الانقسام الداخلي والارهاب. في حال انزلق العراق -لا سمح الله- نحو حالة من الفوضى الداخلية فسيكون من المؤسف للجميع أن يرتبط هذا السقوط مع انسحاب القوات الاميركية، والذي ربما يفتح المجال لتدخل خارجي قد لا يقل سوءا وتدميرا لبنية الدولة العراقية.