في الوقت الذي استكملت فيه اللجنة الوطنية السورية المكلفة إعداد مشروع الدستور السوري الجديد مناقشة مواد الفصل الثاني من مشروع الدستور المتعلقة بالسلطة التنفيذية بشقيها، سواء تلك المتعلقة بصلاحيات رئيس الجمهورية أو رئاسة الوزراء، تستقبل سوريا اليوم الخميس مقدمة من المراقبين العرب تمهيدًا لوصول المراقبين المكلفين بتقييم الوضع الميداني على الأرض، والمكلفين بالإشراف على تنفيذ الخطة العربية. وحسب جامعة الدول العربية فإن الفريق الأولي سيضم مراقبين أمنيين وقانونيين وإداريين وخبراء، ويتوقع أن يليه فريق من الخبراء في حقوق الإنسان.
إن هذين الحدثين هما خطوتان تدللان على رغبة الحكومة السورية في إنهاء ملف الأزمة بصورة نهائية، وتلبية المطالب السلمية للمحتجين السوريين، بما يحقن الدماء ويوقف مسلسل العنف ويعيد الحياة إلى طبيعتها، ويبني شراكة حقيقية بين الحكومة والشعب السوري عمادها الشرعية الدستورية التي تضمن مبدأ التعددية والتداول السلمي للسلطة، وإلغاء الحزب الواحد الحاكم، وتغليب المصلحة الوطنية على أي مصالح فئوية أو طائفية أو خاصة، بحيث تتعزز الوحدة الوطنية وتقوى وحدة الصف السوري، وتصب كل الطاقات والجهود في عمليات التنمية والإنتاج لمصلحة سوريا والمواطن السوري.
لا أحد يتمنى أن تصل الأمور في سوريا ذلك البلد العربي الشقيق إلى هذا الحد من العنف والقتل، إلا أن توقيع دمشق على البروتوكول الخاص ببعثة المراقبين العربية انطلاقًا من السيادة الوطنية والحرص على إنهاء الأزمة بكل أوجاعها وآلامها، والترحيب بزيارة البعثة أنعش الآمال بإمكان خروج الوضع الحالي المتأزم من عنق الزجاجة إلى الفضاءات الرحبة والآفاق الواسعة باتجاه تبلور حل سياسي يأخذ الطابع الوحدوي والتماسك البنائي للمجتمع السوري. ولذلك فإن توفير أسباب النجاح للمراقبين من قبل الحكومة والمعارضة مهم جدًّا لتجنيب سوريا أي منزلقات، كما أن التعاون معها بروح الجدية والشفافية يجنب اتهام أحد طرفي الأزمة وتحميله المسؤولية، في حين أن التزام مبدأ الشفافية والموضوعية والحيادية من قبل بعثة المراقبين، وكذلك من الوفود الإعلامية التي سيسمح لها بالدخول أمر مهم لإنجاح المهمة، وبالتالي درء الأخطار المحدقة بسوريا وتفويت الفرصة على المتربصين بها والراغبين في الإطاحة بنظامها وتغيير نهجها السياسي وحقيقة الفكر القائمة بما يخدم مصلحة الكيان الإسرائيلي في المنطقة.
إن شعار "الانتصار على الذات" و"الانتصار من أجل الوطن السوري" هو السبيل الأوحد الذي يصون سوريا بمختلف مكوناتها ويحفظ منجزاتها ومكتسباتها، ويحقق المطالب الحقيقية المشروعة، لأن الرابح من هذا الانتصار هو سوريا الذي سينعكس تاليًا على جميع أفراد الشعب السوري. ولذلك فإن محاولة تعكير الأجواء أو بذر بذور التشكيك في النوايا وإساءة الظن، والانقياد وراء المتربصين والمشككين وذوي الأصوات الناعقة الذين لا يبغون خيرًا بسوريا، دواعٍ كفيلة بإفشال كل الجهود التي تبذلها جميع الأطراف لإنهاء الأزمة، وبالتالي فإن من واجب جامعة الدول العربية في معركة حسن النوايا أن تعمل على تأمين أجواء الثقة وإخراس الأصوات المشككة والمنافقة، لا سيما وأن هناك من برز من خلال تصريحاته غيظه وألمه بتوقيع الحكومة السورية على البروتوكول ورميها الكرة ليس في ملعب جامعة الدول العربية فحسب، بل في ملعب العرب والغرب والمعارضة، حيث ثمة أطراف في مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا راحت تقلل من قيمة التوقيع وتشكك فيه، وذلك لتقوي جوانب الشك لدى المعارضة حتى لا تستجيب للجهود العربية وجهود الحكومة السورية، وهذا يذكرنا بطلب واشنطن من المعارضين السوريين عدم تسليم أسلحتهم حين أصدر الرئيس السوري بشار الأسد مرسوم العفو عن كل مسلح يسلم سلاحه.