في الوقت الذي تشحذ فيه المعارضة السورية قوتها وتحاول توحيد صفوفها وخصوصًا في الخارج لا من أجل الحل، بل من أجل إسقاط النظام والتدخل الأجنبي، لا تزال هناك أصوات عاقلة ومنطقية ترفض الخيار الأجنبي وتدويل الأزمة وتدعو للحل السلمي، وذلك لأن نتائج التدخل الأجنبي أضحت واضحة لا تحتاج إلى عناء لبيانها وتوضيح حيثياتها وماهية الصورة التي ستؤول إليها، في ظل الصور المتواترة والدالة على حقيقتها، وليس هناك اليوم أدل أو أقرب مثال ودليل على ذلك من نتائج التدخل الأجنبي في ليبيا الذي تبين أنه ـ وأثناء اللحظات والأوقات التي يُسقط فيها حلف شمال الأطلسي قنابله، ليقتل المدنيين الليبيين ويدمر البنية التحتية ( تحت ذريعة حماية المدنيين) كان هدفه هو كعكة النفط الليبية التي كانت تأتينا على الهواء مباشرة عملية تقسيمها (30% لفرنسا، و20%، و10% لإيطاليا، ولا تزال المنافسة محتدمة)، فالتقديرات العالمية تشير إلى أن ليبيا تعد تاسع أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم تصل إلى أكثر من 40 مليار برميل. وما شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية المدنيين وحرية التعبير، ما هي إلا ذريعة فقط توظف للمتاجرة بقضايا الشعوب العادلة.
ونحن حين نستذكر المشهد الليبي بكل آلامه ونقف على جميع الأسباب التي أدت إلى إخراجه، لنبني عليها مشهدًا آخر لا يقل في الأهمية لدى الغرب عن المشهد الليبي، ألا وهو المشهد السوري. وإذا كان المشهد الأول قد لبَّى مصلحة الغرب وتحديدًا أوروبا التي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، وتجعل من النفط الليبي وعمليات اعادة اعمار هذا البلد المدمر، ركيزة أساسية تسند اقتصادها، فإن المشهد الثاني (السوري) بتغيير الرموز والشخصيات والمواقف يفتح كل الأبواب أمام المحتل الإسرائيلي الغاصب ليطلق حراب احتلاله وسهام إرهابه في سوريا ولبنان وغيرهما، فتدويل الأزمة السورية وهي دولة المواجهة والممانعة للاحتلال الإسرائيلي وصد مشاريعه، لا يعني سوى تقديم خدمات كبرى للمشاريع الصهيونية والأجندة الأميركية لإعادة رسم خريطة المنطقة.
ولذلك فإن مجلس جامعة الدول العربية لا ينبغي أن يقف على البروتوكول العتيد الخاص ببعثة المراقبين إلى سوريا وتقييم الوضع على الأرض وانتظار دمشق التوقيع عليه، وإنما عليه أن يرتفع إلى مستوى الأزمة بإيجاد آليات تحمل في طياتها الحلول السياسية للأزمة الراهنة بدلًا من توقيع بروتوكول والقفز على كافة الحلول إلى فرض عقوبات اقتصادية تستهدف بصورة أكبر الشعب السوري، واطلاق التهديد والوعيد ضد الحكومة السورية، لأن الرغبة الحقيقية والصادقة لمنع التدخل الأجنبي تتمثل في الحلول السياسية وثقافة الحوار التي تجمع كلًّا من الحكومة السورية والمعارضة على طاولة واحدة وعلى قدم المساواة والاستماع إلى حجة ومطالب كلا الطرفين وتحت السقف العربي وحده وبعيدا عن الايحاءات والأجندات الأجنبية أي تكن هويتها.
إن استمرار مسيل الدماء مؤلم، والأشد إيلامًا أن يحرص الشقيق على قتل شقيقه، دون الانتباه إلى أن هذا الدم المسال هو طاقات بريئة يخسرها الوطن السوري، والقتل يعني قتل الوطن السوري، والتدخل الأجنبي لمنع ذلك هو ثالثة الأثافي تجهز على بقايا الوطن السوري.
إن مسؤولية حقن الدماء ووضع حد للأزمة في سوريا الشقيقة، وإيجاد حلول تفضي إلى تقريب وجهات النظر وتنتهي بشراكة حقيقية بين الحكومة والمعارضة، هي مسؤولية أخلاقية وقومية تقع على عاتق العرب، الذين عليهم أن ينتصروا للمصلحة القومية العليا وليس للمصالح الأنانية الضيقة، وعلى طرفي الأزمة السورية، النظام والمعارضة، أن يكونا أكثر الناس حرصا على حقن دماء أبناء وطنهما وعلى مصير وطنهما سوريا، وأن يعملا على أن تبقى سوريا ركيزة للنضال العربي ضد أعداء الأمة العربية لا أن يكونا مطايا يستنيخها أعداء الأمة وسراق ثروات المنطقة وقتلة شعوبها، حسبما يتضح من سلوكيات ومواقف بعض أطراف الأزمة السورية الذين يستقوون بالخارج تحت ذرائع وحجج كثير منها مفتعل وبفعل تحريضي.