وسط طوفان من الهواجس والقلق والريبة الذي لا يزال يواصل جريانه بين المحافظات والمدن والقرى والحواضر العراقية، أنزل الجيش الأميركي أمس علمه معلنًا رسميًّا نهاية حرب الولايات المتحدة على العراق بعد ثماني سنوات وثمانية أشهر و26 يومًا من شنها الغزو وسط رفض دولي وخارج الشرعية الدولية، حيث كان التاسع عشر من مارس عام 2003 هو أول يوم تعبر فيه قوات الغزو الأنجلو ـ أميركي الحدود، والتاسع من أبريل من العام ذاته هو اليوم الذي سقطت فيه العاصمة العراقية بغداد بيد الاحتلال.
إن إنزال العلم جمع بين فرحتين أميركية وعراقية، فرحة أميركية حيث حنين الجنود الأميركيين للرحيل والحلم بالعودة إلى الديار للعيش بين أسرهم وأبنائهم، وشوق هذه الأسر إلى رؤية أبنائها الذين زجوا بهم في معركة لم يكونوا بداية يعرفون أهدافها، فقد أحيطوا بجبال شامخة من الكذب وعميت أبصارهم وبصيرتهم بأغشية تزييف الحقائق وتغييب العقل والوعي بأن هذه الحرب هي ضرورية لتأمين الولايات المتحدة وحماية شعبها، وضرورية لحماية أوروبا وحماية شعوبها من أسلحة الدمار الشامل لصدام حسين القادرة على الوصول إلى القارة العجوز في غضون خمس وأربعين دقيقة، وهي مصدر تهديد لجيران العراق الذين كان الفهم البدائي للسامعين بأن المقصود بالجيران هنا هو ما جاور العراق وليس الكيان الإسرائيلي، ولذلك ولتجنيب القارتين الأميركية والأوروبية من أي هجمات، لا بد من أن تشن الضربات الاستباقية والوصول إلى من هم مصدر التهديد (طبعًا المزعومين) قبل أن يصلوا إلينا. وفرحة عراقية، حيث يمثل هذا الانسحاب زوال صخرة للاحتلال تجثم على صدر الشعب العراقي، وبالتالي جلاؤها سيمكن الشعب العراقي من التنفس ليشعر بمعنى الحرية الحقيقية وليست الحرية الأميركية التي انكشف زيفها بعد التاسع من إبريل عام 2003 مباشرة، وليمارس الشعب العراقي حياته بمختلف جوانبها وأنشطتها بعيدًا عن الديمقراطية الأميركية المحمولة على ظهور الدبابات وصواريخ كروز وقاذفات بي 52 والفانتوم.
نعم إنهما فرحتان، لكن شتان بين الفرحتين، ففرحة الولايات المتحدة ليست كفرحة العراقيين، ذلك أن واشنطن إذا كانت قد وصلت إلى قناعة مفادها أنها لن تستطيع أن تحصل على حصانة لعديد جنودها الذين ترغب في بقائهم تحت مسمى التدريب وغيره، وبالتالي عليها أن تسحبهم، فإنها تدرك أن الانسحاب هو إنهاء المظهر العسكري للاحتلال وهو الوجه الأول له، ولكنها تعلم أن الوجه الآخر له هو الباقي وهو الأساس، فوقعه أشد من وقع الوجه الأول، إذ تدرك أنها بتوقيعها الاتفاقية الأمنية التاريخية مع حكومة نوري المالكي، قد وضعت السلاسل على عنق العراق، وليس أدل على ذلك من وجود أضخم سفارة أميركية في العالم، إلى جانب امتلاكها القرار بإخراج العراق من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وتخويلها إعادة إعمار المؤسسات المدنية والعسكرية بالأموال العراقية التي ستتدفق بالمليارات على الشركات والمصانع الأميركية. أما الفرحة العراقية، فهي لا تتعدى عدم رؤية أعين الشعب العراقي بعد نهاية الشهر الحالي جنديًّا أميركيًّا فحسب، أما ما عدا ذلك فهو مظاهر مجلبة للألم والحزن حيث الأعين شاخصة ترى العراق قد غدا خرابًا بعد أن كان عالميًّا في مقدمة الدول التي تتمتع بالكفاءة والخبرات وبالبنى التحتية القوية، فضلًا عن ما جره الاحتلال من أوبئة لم تكن معروفة تتمثل في المذهبية والطائفية والفتن والتحزبات التي أصبحت هي المتحكم في المشهد السياسي والاجتماعي في عراق الولايات المتحدة الجديد.
الولايات المتحدة أنهت مظاهر احتلالها العسكري للعراق، وتبقى مظاهر سيطرتها على السياسة والدبلوماسية ومفاصل الدولة بصورة كاملة، فإذا كان الانسحاب في حد ذاته تحديًا واختبارًا حقيقيًّا لقدرة العراقيين على تأمين بلادهم والاعتماد على قدراتهم وسواعدهم من أي هجمات أو مؤامرات، فإن البناء المؤسسي والسيطرة على الثروات وتوظيفها لخدمة الدولة العراقية والشعب العراقي باعتبارها ملكًا لهما ولا يجوز لأي كان السطو والاستيلاء عليها تحت أي مسمى، والعمل على إعادة تلك الصورة الجميلة التي كانت تطبع المجتمع العراقي قبل الاحتلال الأنجلو ـ أميركي وإفرازاته ودسائسه، كل ذلك يعد معركة أخرى يجب كسبها، كما كسبوا معركة رفض بقاء الاحتلال العسكري.