من يوميات السياسة اللبنانية في السنوات الثلاثين الأخيرة، بحروبها وسلمها، شهدت الساحة اللبنانية ظواهر لم تعهدها من قبل، وهي ظواهر طبعت الحياة السياسية وكان لها دور فاعل عند كل المحطات وفي كل المفاصل وصولاً إلى اليوم، ويُتوقَّع أن يستمر هذا الوضع مستقبلاً.
من هذه الظواهر ظاهرة العماد ميشال عون، فمنذ العام 1988 وهو يتنقل من موقع إلى آخر ومن تحالف إلى آخر، ورغم تبدل المواقع والتحالفات والظروف فإنه من القلائل الذين حافظوا على حيثيتهم السياسية وعلى تأييدهم الشعبي.
هل من سر أو هل من لغز وراء هذه الظاهرة؟
هنا تختلف التحليلات، فمنها ما يكون قريباً من الواقعية ومنها ما يبلغ درجة (الأساطير) في تحليل الأسباب والمسببات، لكن الكل يجمع على أمرٍ واحد هو أن العماد عون من الزعماء القلائل في لبنان الذين ما زالوا يتمتعون بشعبية لا يُستهان بها. وهذا ما يظهر في المؤشرات التالية:
في أي إنتخابات تجري، سواء أكانت نيابية أو نقابية أو طالبية، يُحسَب ألف حساب للعماد ميشال عون، فحيث يكون تميل النتيجة.
حصل هذا الأمر في الإنتخابات النيابية في العام 2005 ثم في العام 2009، كما حصل في كل انتخابات نقابية أو طالبية.
ومن المؤشرات أيضاً أنه في كل مرة يُكتَب فيها مقالٌ أو تحقيق أو افتتاحية أو تعليق عن العماد عون، يقفز القراء إلى أعداد كبيرة، حتى حين يكون ضيفاً إذاعياً أو تلفزيونياً فإن نسبة المستمعين أو المشاهدين تقفز بسرعة قياسية.
لكن الظاهرة التي تستحق التوقف عندها في الفترة الأخيرة هي أن الإلتفاف حول العماد عون تصاعد حين بدأت التحليلات تتحدث عن إمكانية أن يقلب الطاولة ويُعيد خلط الأوراق لجهة تحالفاته، وإذا كان من الصعب فهم ما يجول في خاطره، فإنه ليس من الصعب فهم ما يريده الرأي العام منه.
جزءٌ كبير من هذا الرأي العام يريد للعماد عون أن يعود إلى (قواعده)، هذا الجزء غير مسيَس بل هو عفويٌ بطبعه وهو الذي يُحدِّد قناعاته من دون إيحاء من أحد ومن دون تأثير من أحد. هذا الجزء حين استشعر بأن الجنرال يمكن أن يخلط الأوراق، إنتعشت آماله بأنه سيرى العماد عون الذي كان يعرفه منذ زمن، وليس العماد عون، مع التحالفات التي أعطى لها وخسر الكثير بسببها.
لكن الأمنيات شيء والواقعية شيء آخر، فالعماد عون اليوم مرتبط بتحالفات ليس من السهولة فكها، حتى ولو ظهرت بعض التباينات مع الحليف أو حليف الحليف.
هذه الواقعية تجعل من العبث المراهنة على قلب الطاولة، لأنها لن تحدث، وما المراهنة عليها سوى سراب زائف، لكن ذلك لا يمنع من اعتبار أن شعبية العماد عون ستتضاعف في حال فك التحالفات.