في مناسبة وطنية كتب الشعب التونسي أمس تاريخًا جديدًا وأسس لنفسه مرحلة جديدة من الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مستلهمًا أبيات شاعره الفذ أبو القاسم الشابي: إذا الشعب يومًا أراد الحياة .. فلا بد أن يستجيب القدر.. ولا بد لليل أن ينجلي .. ولا بد للقيد أن ينكسر. حيث وضع أقدامه على طريق الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، حين وضع ثقته في محمد المنصف المرزوقي الذي أدى اليمن أمام أعضاء المجلس الوطني التأسيسي رئيسًا جديدًا للجمهورية التونسية.
إن هذه المناسبة تأتي تتويجًا لكفاح وتضحيات كبيرة قدمها الشعب التونسي من أجل انتزاع حريته وحفظ كرامته وانتشال حياته من براثن الظلم والاستبداد والقمع والقهر والتسلط التي جثمت على صدره وضاق بها ذرعًا، وها هو يجني ثمار صبره على العنت والمشقة ومكابدة الآلام التي سامه إياها على مدى ثلاثين عامًا حاكم مستبد حوَّل تونس مزرعة له ولأقاربه وأتباعه وأذنابه، فظلت طوال تلك المدة دولة الحزب الواحد الذي أخذ يتستر كذبًا وزورًا بديمقراطية زائفة، ويتشدق بشماعة نظام جمهوري يضمن الانتقال السلمي للسلطة، ولم تكن تلك إلا مساحيق يستر بها الوجه القبيح لحالة التزوير للانتخابات التي كانت تصل نتائجها للحزب الحاكم إلى نسبة تلامس المئة في المئة، ما جعل الفساد يضرب أطنابه ويشل كل مفاصل الدولة التونسية.
فبلغت نسبة البطالة أعلى مستوياتها، فأورث الشعب التونسي الحرمان والفقر المدقع وبات الوضع المعيشي إلى ما دون خط الفقر الذي كان ممنوعًا تجاوزه على فئات من الشعب التونسي، ولعل محمد البوعزيزي مطلق شرارة الثورة التونسية أحد العناوين البارزة لمظاهر الظلم والقهر والفساد للنظام السابق.
وإذا كانت الجغرافيا السياسية والاقتصادية والموارد والدور السياسي الفاعل والعامل الديموغرافي سببًا في إخراج المشاهد المضطربة التي نراها في دول ما يسمى "الربيع العربي" فإن قدر تونس أن تكون بمنأى عن واحد من تلك الأسباب، ولذلك فهي نجحت في إطلاق ثورتها والتسبب في انطلاق ثورات في دول عربية أخرى، وما يحسب لها أنه بقدر ما نجحت في إطلاق الثورة وتغيير المشهد السياسي بكامله ووضع صور متحضرة ووطنية، بقدر ما وضعت حدًّا لحالة الفراغ السياسي وضرورة التحرك نحو ملئه والالتفات إلى أهمية بناء الدولة ومؤسساتها وبعث الروح في اقتصادها وتوفير فرص عمل للباحثين عن عمل، وما يحسب لها أيضًا أن تياراتها الإسلامية، التي اكتسحت الانتخابات وعلى رأسها حزب النهضة الذي كان محظورًا في عهد النظام السابق، عملت على تبديد المخاوف ليس مخاوف الليبراليين في تونس فحسب، بل مخاوف الغرب من فرض قيود إسلامية على النموذج الغربي الذي يغلب على حياة الشعب التونسي، حيث كان واضحًا زعيم حزب النهضة راشد الغنوشي في أن الحزب سيحافظ على تونس كوجهة سياحية.
أما الرئيس الجديد منصف المرزوقي فقد أكد أن الدولة التونسية ستعمل على "حماية المنقبات والمحجبات والسافرات" بلا تمييز وبمساواة أمام القانون، داعيًا التونسيين إلى المصالحة، مشددًا في هذا الصدد على أنه "لا مكان للثأر والانتقام لكن لن نخضع للابتزاز لمن تبقى من شرعية القوة".
إن النظام السياسي التونسي الجديد أمامه تحديات كثيرة بحاجة إلى عمل كبير وتضافر جهود الشعب التونسي للتغلب عليها، لا سيما وأن تونس تعيش ظرفًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا دقيقًا قاربت فيه نسبة النمو الصفر وتفاقم فيه عدد الباحثين عن العمل وسط عدم استقرار ثاني أهم شريك اقتصادي (ليبيا) وأزمة اقتصادية لدى شريكها الأول (الاتحاد الأوروبي).
ولذلك نتمنى أن تنجح تونس في التغلب على هذه التحديات، كما نجحت في وضع نهاية للدكتاتورية وملء الفراغ السياسي لتعكس هذا النجاح في بقية الدول التي حركت "ثورة الياسمين" فيها الأوضاع.